نقض فكر الآلهة

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 29 novembre 2019 - 9:04
نقض فكر الآلهة

نحن ، هنا ، لا نتحدث عن موضوع فكرة الآلهة ولاوجودها ، لإن ذلك يقتضي منا تغيير محتوى الدماغ البشري جذرياٌ ، وأقتلاع جذور الثقافة الإنسانية بقاعدتها الفلسفية والعقائدية والتاريخية ، وتهديم الوعي النوعي المطابق لها ، وتحطيم الأسس القواعدية لكل مايسمى بالفكر الإنساني حتى هذه اللحظة ، وتأصيل فكر جديد متماثل مع محتوى فكرة إن الإنسان هو منتوج طبيعي وحيوي لإدراك الطبيعة لذاتها ولخصائصها البنيوية .

لذلك نحن سنتحدث ، هنا ،عن قضايا وموضوعات ذات إشكالية تسعى إلى فكفكة وضعضعة العلاقة مابين فكرة الآلهة ومابين فكر الآلهة ، وهي قضايا عديدة جداٌ نختار منها التالية :
القضية الأولى : قضية الجنة والجهنم ، وهنا أيضاٌ نحن لانتحدث عن المعنى التبريري والتفسيري والمقاصد المؤولة له ، لإننا ، بالأساس ، نرفض كل تلك الإطروحات البليدة والمجترة ، لذلك نحن نرمي إلى البعد الفعلي الوجودي والمكاني لما يسمى بالجنة والجهنم ، لإنهما ضرورة أصيلة للمبادىء العقائدية والمآلات المتناظرة معها .
وتنبع حقيقة الجنة والجهنم من محتوى إن الآلهة التي خلقت الوجود وخلقت البشر وزرعت في نفسه الفجور والتقوى فمن يتبع التقوى فإنه قد أفلح ونال رضى الآلهة وأستحق بالتالي مضمون الخلود في الجنة ، وأما من يتبع الفجور فقد نال غضبها وأستحق بالتالي مضمون الخلود في الجهنم .
إذاٌ ، نحن إزاء مستويات ثلاثة ، الأول هو الوجود المكاني للجنة والجهنم ، والثاني هو جوهر العلاقة مابين خلق البشر وأفعاله وإرادة الآلهة ، والثالث هو محتوى المضمون نفسه ، في المستوى الآول الوجود المكاني يتناقض مع وجود الآلهة لإن الوجود المكاني هو تابع حتمي ـ حسب رؤية الآلهة ـ للوجود البشري وليس لوجود الآلهة ، فلولا البشر ماكانت الجنة ولا الجهنم ، هذا من زاوية ومن زاوية أخرى إن الآلهة التي هي العدالة والرحمة الأبديتين والمطلقتين ، لاتناسبها فكرة وجود الجهنم ، ومن زاوية ثالثة من المستحيل في حال وجود الآلهة أن تفكر وفقاٌ لإرادة رغبوية أن تعذب البشر بهذه الطريقة الجائرة والمقيتة .
وفي المستوى الثاني لايوجد تناسب مابين مفهوم الخلود في النار ومستوى الآثام ونسبة الفجور ، فمن الطبيعي أن يوجد بشر تكون لديها نسبة الشر أكثر بقليل من نسبة الخير فهل يستحق على أثر ذلك أن يخلد في الجهنم ، هذا من زاوية ومن زاوية ثانية إن البشر لم يطلبوا من الآلهة أن تخلقهم ، ثم تزرع في نفوسهم الفجور والتقوى ، ثم تخلدهم في هذه أو في تلك ، فالآلهة هي التي قررت مشكلة الخلق وبالتالي من المعيب عقلاٌ أن تزرع في نفوسهم الفجور والتقوى ، وتخلدهم في النار أو في النعيم ، فهذه عين المصادرة على الرغبة والإرادة الإلهية .
وفي المستوى الثالث لايوجد أي لباقة منطقية في مضمون الجنة والجهنم ، فالجنة مليئة بالغلمان والحوريات والخمر ، فهل أرادت الآلهة فعلاٌ أن تكوم مستوى الجنة بهذا الوضع الذكوري المقرف ، أم إن الأمر هو إرادة بشرية قائم على الرغبة الذكورية في علاقتها بالحرمان والصحراء ، هذا من زاوية ومن زاوية ثانية هل يعقل أن يباح أمراٌ في الجنة كان محرماٌ في دنيانا هذه ، الخمر مثلاٌ والجنس المباح والمثلية اللواطية ، ومن زاوية ثالثة هل هذا هو معنى الخلود ـ كحياة ـ في الجنة ؟؟؟ وفيما يخص الجهنم فهل يعقل أن يتعذب البشر بهذه الطريقة البغيضة وأن تستبدل جلودهم كلما أحترقت ، فهل يعقل أن يكون ظلم الآلهة بهذا الشكل ؟؟؟ .
القضية الثانية : البعث والخلود ، لكي يكتمل مفهوم البعث لامناص من أن يكون البشر خالدون ، فالقصة تبدأ بمحتوى الخلق ، خلق العالم والبشر ، ثم يأتي يوم البعث الذي ، كضرورة وجودية ، ينبغي أن يكون في حد معلوم ، في حد ظرفي أو زمني أو موضوعي معلوم ، وإذا لم يكن الأمر على تلك الشاكلة فهذا يعني إن الآلهة سوف تقرر لاحقاٌ ، وبحالة مزاجية وأعتباطياٌ ، آنية حدوث هذا البعث ، وفي الحالتين لايختلف الفحوى كثيراٌ ، فبعد حدوث البعث ، كظرف وجودي ، ينفرز البشر مابين الجنة والجهنم ، وهذا لن يستقيم وجودياٌ إلا إذا كانت الحياة البشرية أبدية ، لإن في الفرض المعاكس تخلق جملة من التناقضات ، فتفنى البشرية ، وتزال الجنة والجهنم ، وينعدم مفهوم الخلق الوجودي ، وعندها تمكث الآلهة وحيدة في سبات عقيم .
وهكذا يفقد الخلق مفهومه ، وتفقد البشرية معناها الإنطولوجي ، وتنعدم الغاية من الجنة والجهنم ، وبالتالي يصبح البعث بدون أي دلالة ، إذاٌ من الضرورة المطلقة أن نكون نحن خالدين ، وهنا تبرز الإشكالية الحقيقية في مسألة الخلود ، فمفهوم الخلود هو مفهوم السرمدي الذي لا أول له ولا آخر، ويستقدم من الأزل إلى الأبد ، لكن الآلهة هي التي خلقت البشر والعالم وبالتالي فإن لهما بداية ، لهما أول ، ومن يكون له أول ، يكون له آخر تعريفاٌ.
إذاٌ حسب مفهوم الخلق لابد من حالة وقتية للبشر والعالم ، وحسب مفهوم البعث لابد من حالة دائمة للبشر على الأقل ، وهذا هو أساس التناقض في فكر الآلهة فيما يخص جوهر هذه القضية .
القضية الثالثة : قضية الخلق والإرادة ، من المؤكد إن الخلق يقتضي ، بالضرورة المطلقة ، مفهوم الإرادة ، كما إن هذه الأخيرة لايمكن أن تخص ذات الآلهة إلا إذا تحقق الخلق ، ومن المحال أن تقترن الإرادة بالآلهة دون الخلق ، فركن الخلق هو الإرادة ، وركن الإرادة هو الخلق ، أي إن تحققها ، هي ، يتحقق به حصرياٌ ، كما إن تحققه ، هو ، يتحقق بها حصرياٌ .
وهذا يفضي بنا إلى المبسطات التالية ، المبسط الأول إن نتاج العلاقة مابين الخلق والإرادة لايمكن أن يكون سرمدياٌ مثل الآلهة ، لإن حينها تغدو الإرادة ضرورة غاصبة للشرط الإلهي ، وتفقدها ، أي الإلهة ، موضوعية أنطولوجيتها ، ويغدو الخلق جزءاٌ وجودياٌ من الذات الإلهية ، وهذا محال فيما يخص مفهوم الخلق ومفهوم الشرط الإلهي.
المبسط الثاني إن تصور موضوع الخلق لايمكن أن يتحقق إلا بشرطين ، شرط ذاتية المخلوق وإكتماله ، وشرط وجوده تماماٌ في ذاتية الإرادة ، ودون هذين الشرطين لايمكن للمخلوق أن يقفز إلى الوجود ، فلكي يقفز إلى الوجود لابد أن يقال ( بضم الياء ) له كن فيكون ، أي يقال للشيء وقد أكتمل ، أي للشيء المعرف الوجود ، والمعلوم كينونة ، فهو كما هو ، أي هو هو ، قد تحقق في وجوده قبل أن يقال له كن فيكون ، والسر العميق وراء هذا اللغط والتناقض هو التصور البشري عن مفهوم الخلق ومفارقته عن التصور الإلهي له ، فالتصور البشري يفضي إلى هذه التناقضات ، وأما التصور الإلهي فإنه لايسمح بذلك إنه ينفي ، أصالة ، مفهوم الخلق ومفهوم الإرادة على حد سواء ، وهذا يفضي بنا إلى أشكالية النص ، التي حسبها هل هو ، أي النص ، أرضي أم سماوي ، فلو كان سماوياٌ لتطابق خطاب الآلهة وتصورها تماماٌ وأصالة .
المبسط الثالث إن جوهر العلاقة مابين الخلق والإرادة أنطولوجياٌ هو إفتقار الإلهة إلى وجود متمايز عن وجودها ، وهذا الوجود المتمايز والمختلف إما أن يكون حقيقياٌ أو منسوخاٌ ، فلو كان حقيقاٌ لكن وجود الآلهة وجوداٌ ناقصاٌ ، وإذا كان منسوخاٌ فإنه يكون عندها باطلاٌ وعاطلاٌ وفاسخاٌ في آن ، باطلاٌ في وجوده ، وعاطلأٌ لوجود الآلهة ، وفاسخاٌ لكينونته وكينونة الآلهة معاٌ .
المبسط الرابع في تحقق العلاقة مابين الخلق والإرادة ، هو تحقق كن فيكون ، وكن فيكون قد حدث وهو لمرة واحدة وإنتهى في حدوثه ، في ظرفه ، في حينه وأوانه ، أي إن الآلهة لم تعد بحاجة لا إلى الخلق ولا إلى الإرادة ، فالمخلوقات ها هي موجودة وحادثة ، وإذا إنبرى أحدهم مدافعاٌ وأحتدم صارخاٌ كيف يمكن أن ننفي الإرادة عن الآلهة حالياٌ ؟ نرد عليه بكل يسر إن الإرادة بعد الخلق هي إرادة مزاجية بحتة وإعتباطية صرفة ، وهذا ما لا يرضاه للآلهة .
القضية الرابعة في مفهوم العبودية والعبادة ، وبغض النظر عن المعنى الدقيق لهما ( وأتذكر بهذه المناسبة ما تشدق به السيد محمد شحرور ـ وهو الجاهل المطبق كلياٌ في الفهم الفلسفي لهذه القضايا ولغيرها سيما قضية الجدل وقضية الروح ـ حينما زعم إننا عباد الآلهة ولسنا عبيدها )، فإننا ، هنا ، نلتزم بالعبارة ـ وماخلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون ـ أي إن أنطولوجيتنا هي تحت شرط أن نعبد الآلهة وأن نلتزم بحدودها نصاٌ وعيناٌ وفرضاٌ . فهل تحقق ذلك في وجودنا ؟؟؟
أولاٌ هل سيتحقق ذلك فيما بعد يوم البعث ، حين ندخل الجنة أم الجهنم خالدين فيهما ، فهل مع الحوريات والجنس المفتوح ، أم مع الغلمان واللواط ، أم مع الخمر، نعبد الآلهة ، لإننا لم نخلق إلا لعبادتها !! وهل مع نار جهنم يتحقق ذلك سيما حينما تستبدل ( بضم التاء ) الجلود ، وتصرخ الجهنم هل من مزيد ، أو جهنم وقودها الناس والحجارة ، فهل هذا العذاب الأبدي الرهيب هو الذي يحقق ما تصبو إليه ( وماخلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون ) .
ثانياٌ هل تحقق ذلك مع مفهوم الشيطان ، الذي كان من أعظم الملائكة ، وأصبح إلهاٌ مستقلاٌ رمزاٌ لمفهوم الشر الأبدي ، أي هل ما خلق ( بضم الخاء ) الشيطان إلا ليعبد الآلهة ؟؟ بالمناسبة إن النص الذي خلق الشيطان يجسد كارثة حقيقية في الفكر البشري وطعنة نجلاء في الفكر الإلهي ، وسنعود لهذه القصة بالتفصيل في الحلقات القادمة عند نقضنا للسيد محمد شحرور.
ثالثاٌ إذا كنا قد خلقنا فقط لعبادة الآلهة ، فنحن إزاء ثلاثة فرضيات ، الفرض الأول أن نعبد من حيث إن طبيعتنا تفرض علينا أن نجسد هذه المهمة وهذا المفهوم والشرط الإلهي ، لكن في الواقع كما رأينا وكما نشاهد في الواقع إن هذه الفرضية غير صادقة .
الفرض الثاني إن الألهة هي التي تفرض علينا حسب قوانينها وإرادتها المزاجية أن نعبدها ، وهذا من المحال سواء في تطابقية مع النص وألهمها فجورها وتقواها ، سواء مع مفهوم الإرادة لدى الإنسان ، سواء تماثلاٌ مع مفهوم الثواب والعقاب ، سواء مع القوانين الخاصة لسلوكية البشر ، سواء من خلال مفهوم الشيطان ، وسواء وسواء .
الفرض الثالث إن البشر يستخدمون عقولهم وفقاٌ لمبدأ الإختيار والمسؤولية ، ذلك المبدأ الذي قد يتوزع بحدوده في كافة المجالات والمستويات ، أي يمكن أن يعبد الآلهة ، كما يمكن ألا يعبدها ، وهكذا تكون فرضية ، وماخلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون ، غير صادقة . وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة والثمانين .

هيبت بافي حلبجة

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.