مواقف | نهضة ماليزيا قامت على مبدأ « إذا أردت حصاد مائة عام فعّلم َالشعب »

مشاهدة
أخر تحديث : dimanche 12 janvier 2020 - 9:44
مواقف | نهضة ماليزيا قامت على مبدأ « إذا أردت حصاد مائة عام فعّلم َالشعب »

إن عملية التحديث التي تجري في أي دولة من دول العالم ما هي إلا تجربة تنموية تحمل في تفاصيلها مجموعة من الدروس والعبر التي يمكن لأي دولة نامية أخرى الاقتداء بها، من أجل تحديث مؤسساتها والارتقاء بواقعها..

لاسيما، إذا كانت التجربة التنموية محل الدراسة والمحاكاة قد حدثت في بلد من بلدان جنوب شرق آسيا،و التي تشابه إلى حد كبير الدول العربية، في تركيبها السكاني وظروفها الاجتماعية والسياسية، خاصة و أن شعوب المنطقة العربية تتطلع إلى الاستفادة والاقتداء من خبرات هذه الدول ومن بينها ماليزيا، و قد حاولنا في السابق إبراز بعض جوانب النهضة الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية بهذا البلد الإسلامي، و قد أوضحنا بعضا من العوامل التي ساهمت في تحقيق النهضة الماليزية، و حللنا الخطط و المناهج و السياسات العمومية، التي تم تبنيها لإخراج البلاد من دائرة الفقر و التخلف و الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الأولية، إلى دائرة الرفاه و التصنيع و المنافسة في سوق السلع العالية التقانة..
و أهم ما يميز التجربة الماليزية، تركيزها على تنمية رأس المال البشري، و تنمية قدرات الانسان-المجتمع الماليزي، ومن الطبيعي و المسلم به، أن هذا النموذج من التنمية لا يتحقق قسرا، أو في مناخ استبدادي أو بناءا على قرار سلطوي، و إنما يتحقق في إطار الحرية والمجتمع المفتوح، فالحرية بالدرجة الأولى هي عملية تحرير الانسان من ربقة الجهل و المرض، و الحرية فرص ممارسة القدرة من أجل المشاركة الإيجابية الواعية المسؤولة… فالهدف و المعيار من التنمية وفقا للتصور الماليزي، توسيع فرص و نطاق الاختيار تأسيسا على حق المعرفة و التعليم..بمعنى الزيادة في نطاق البدائل الفعالة المعروضة أمام الإنسان، و تهيئة الأسباب لسيطرة الإنسان على بيئته و مقدراته و قدراته لبناء حاضره و مستقبله من واقع الشعور بالمسؤولية الايجابية الحرة و الانتماء الاجتماعي…
و تحقيق هذه المعادلة التنموية يمر عبر دعم الحرية بمفهومها الواسع، الحرية الاقتصادية و السياسية و الدينية …و تأهيل الفرد- المجتمع لممارسة هذه الحرية بمسؤولية وفعالية، يمر عبر بوابة نشر التعليم و تقوية مدارك الانسان الماليزي، و دعم قدراته الفكرية والذهنية والمعرفية…لذلك فإن نهضة ماليزيا التي راهنت على العنصر البشري و اعتبرته غاية ومنطلق عملية التنمية والتحديث، انطلقت من واقع تحديث التعليم وتقوية المنظومة التعليمة، ووضع الخطط و البرامج الهادفة لتجويد مخرجات العملية التعليمية، و تأهليها لتخريج كادر بشري، مؤهل لحمل مشعل النهضة، و المشاركة بفعالية في المجتمع المحلي، و المجتمع العالمي…
و عليه، سنحاول في هذا المقال التركيز على عملية تحديث التعليم في ماليزيا، و لما كان هذا الموضوع غير قابل للإختزال، فإننا سنخصص له أكثر من مقال، على أن نقتصر في هذا المقال على تحديد ماهية التحديث و التحديث التربوي ..
فمصطلح التحديث ” modernization” كلمة مشتقة من الحداثة، ومعناها تجديد “Renewal “، والتحديث ظاهرة تاريخية متطورة تناولها العلماء من منطلقات مختلفة، فعلماء الاقتصاد تناولوا التحديث من جانب التجديد في التطبيقات التكنولوجية، التي ساعدت الإنسان في السيطرة على الموارد الطبيعية التي تدفع به إلى زيادة الإنتاج..أما علماء الاجتماع فركزوا على الأداء التفضيلي الذي يميز المجتمعات الحديثة، والاهتمام بالتفاضل الذي يحدث داخل البنية الاجتماعية عند ظهور مؤسسات اجتماعية جديدة .. في حين تناوله علماء السياسة من جانب عملية بناء الدولة وأجهزتها والصعوبات التي تعترض مسارها التاريخي..
ويتحدد مفهوم التحديث في تعريفات مختلفة حسب تجارب الشعوب المختلفة وتطور مفهومه بتطور الزمن ، فظهرت اختلافات وفروق في مسار تطبيقه بحسب خصائص و سمات المجتمعات السائرة في طريقه، فيعبر مفهوم التحديث لدى المؤرخين الاجتماعيين عن مجموعة من التغيرات المعقدة جداً والتي تؤثر على حالة مجتمع ما أو مجتمعات معينة بطريقة متفاوتة في بناء أولويات وقيم وأساليب وخصائص جديدة ويرى عالم الاجتماع Neil Joseph Smells :” إن التحديث يشمل جميع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تسبب تأثيرا دائماً على المجتمع.. في مجالات الفكر والنشاط الإنساني والتحديث يعني أيضا إحلال طرق حديثة بدلاً من طرق قديمة للحياة و ادخال العديد من المستحدثات لنمط الحياة التقليدية وهو بذلك أعم من المستحدثات إذ يعد انه تحسين أنماط التدبير وأساليبهُ وتحديد المعارف والوسائل الموضوعة رهن إشارة المؤسسة التربوية والقائمين على التعليم”..فالتحديث يشير إلى نموذج محدد من التغيرات في المجتمع والتي تشكل عاملاً هاماً في عملية التنمية ، فالتنمية والتحديث يسيران متوازيان منُذ أكثر من قرن في أنحاء كثيرة من العالم…
و يمكن إجمال مفهوم التحديث بأنه: “عملية انتقال بخطوات سريعة واثقة للنهوض بالبلدان النامية من واقعها المتردي باستخدام الخبرات والأدوات من الدول المتقدمة التي قطعت أشواطا في مجال التنمية والتطور، دون المرور بجميع المراحل التاريخية التي مرت بها تلك الدول للوصول إلى مستوى من التقدم والرفاهية مستفيداً من الإنسان والموارد والبيئة وذلك اعتماداً على الطاقات البشرية الموجودة لدى الدول التي تطمح للتحديث…”
وبما أن الإنسان هو الأساس في عملية التحديث، فإن عملية التعليم هي حجر الزاوية في عملية استثمار طاقات أبناء البلدان السائرة في طريق التحديث لصنع جيل قادر على العطاء والانجاز والنهوض بالواقع المتردي وتوفير السبل الكافية لإحداث ذلك النهوض و هو ما حرصت ماليزيا على تبنيه.
و يمكن أن نعرف التحديث التربوي بأنه “مختلف العمليات والتدابير للانتقال بنظام تربوي معين من الواقع التقليدي المتقادم إلى نظام آخر جديد..” و تبعا لذلك، فإن مفهوم التحديث التعليمي أو التربوي يختلف جذريا، عن مفهوم الإصلاح التربوي إذ أن الأول يتخذ شكل التغييرات الجذرية وليس مجرد خطوات إصلاحية قد تنجح و قد تفشل ..
و مجمل القول، فإن ماليزيا عندما راهنت على البشر فهي جسدت على أرض الواقع الحكمة الصينية القائلة :” إذا أردت مشروعاً تحصده بعد عام فأزرع قمحاً، وإذا أردت الحصاد بعد عشرة أعوام فأغرس شجرة، وإذا أردت حصاد مائة عام فعّلم َشعب، فالحبوب التي تزرعها مرة تحصدها مرة والشجرة التي تغرسها مرة تقطفها عشر مرات أما إذا علمت شعباً فستحصد مئة عام “…و سنحاول في مقال موالي إن شاء الله، تفصيل منهجية ماليزيا في تحديث التعليم وجعله قاطرة للنهضة والتنمية… و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون ..

طارق ليساوي – أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.