مواقف | المجتمع العربي متخلف لم يألف العلم ولم ينشد الحداثة

مشاهدة
أخر تحديث : dimanche 26 avril 2020 - 12:00
مواقف | المجتمع العربي متخلف لم يألف العلم ولم ينشد الحداثة

 كشف الباحثون العرب في مجال العلوم الإنسانية عن عوامل التخلف العربي من النواحي السياسية – الاجتماعية والفكرية – الثقافية والنفسية، لم تدخل نتائج أبحاثهم مجال الحياة الثقافية والسياسية العربية وبعضها ضرب حوله جدار سميك من الصمت، مثل مؤلف « البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي؛ فقد ألقى الضوء على النخب الحاكمة أصل الداء .

في الحلقة الأولى بينت فضل العلم في احتواء وباء الكورونا ثم القضاء علية بجهود العلماء الباحثين. وكان للصين قصب السبق في احتواء الوباء ومحاصرته نظرا لنجاحها من قبل في تحديث مجتمعها على قاعدة العلم وأدخلت العلم في الإنتاج وفي جميع جوانب الحياة الاجتماعية، وبفضل العلم أنجزت مهمتها بشرف. اما المجتمعات العربية، التائهة في بيداء الجهل والتخلف والتبعية، فليس لها إلا أن تنتظر ثمار العلم معلبة من الخارج، حيث تعيش المجتمعات في حقبة ما قبل التحديث. كشف الباحثون العرب في مجال العلوم الإنسانية عن عوامل التخلف العربي من النواحي السياسية – الاجتماعية والفكرية – الثقافية والنفسية، لم تدخل نتائج أبحاثهم مجال الحياة الثقافية والسياسية العربية وبعضها ضرب حوله جدار سميك من الصمت، مثل مؤلف « البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي؛ فقد ألقى الضوء على النخب الحاكمة أصل الداء .
كشف الأكاديمي الباحث هشام شرابي عن النظام الأبوي محور التخلف العربي. النظام الأبوي، كما عرفه الباحث، « ليس مجرد تخلف اقتصادي أو إداري ؛ فلو كان التخلف العربي مجرد تخلف في التنمية الاقتصادية او الإصلاح الإداري لكان التغلب عليه في متناول اليد، ولا يتطلب الا الوقت والجهد والمال. ان التخلف الذي نجابهه هو من نوع آخر، انه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية المستحدثة ويسري في كل أطراف بنية المجتمع والفرد ، وينتقل من جيل الى جيل كالمرض العضال؛ وهو ايضا مرض لا تكشف عنه الفحوص وتعجز عن تفسيره الأرقام والإحصاءات.انه حضور لا يغيب لحظة واحدة عن حياتنا الاجتماعية، نتقبله من غير وعي ، ونتعايش معه ونتقبله كما نتقبل الموت نرفضه ونتناساه في آن »[1/14].
يضبط الباحث بدقة علمية مفهوم « محدث » ، الذي اختاره للتعريف بالبنية الاجتماعية المحددة للمجتمعات العربية الحالية. نقل عن ماركس مفهوم « الوضع الأبوي .. مرحلة التطور التي سبقت التطور الكامل لأسس المجتمع الصناعي ، وهو يشير بذلك الى الإقطاعية الأوروبية »[1/34]: يستطيع المرء أن يعبر عن ثقافة « محدثة » او مجتمع « محدث » او أفراد « محدثين » او نخبة « محدثة » أو شريحة « محدثة » وهكذا ؛ ينهض هذا التعريف عن نقطة ارتكاز أساسية هي ان « محدث » دلالة على توفر عامل خارجي يؤثر في تطور داخلي ، فيدفعه الى التحول. فما ان تنطلق عملية التحديث حتى يتشوه التطور الذاتي الداخلي ، فيتخذ شكلا لم يكتمل نضوجه »[40]. لم تتشكل في البنية الأبوية برجوازية ناضجة ولا طبقة عاملة حادة، بل هجانة اجتماعية تستعصي على التقدم والتحديث ولا تتقبل العلم.
« العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الوالد والابن هي علاقة عمودية : ففي الحالتين تقف إرادة الأب على انها المطلقة ، ثم إن أكثر النواحي فعالية وتقدما في الدولة ذات النظام الأبوي المحدث هي جهاز الأمن الداخلي ، أي المخابرات ؛ ففي سائر الأنظمة ذات البنية الأبوية المحدثة (أو المستحدثة) يهيمن جهازان متوازيان، عسكري بيروقراطي وبوليس سري. يتحكم هذا الأخير بشئون الحياة اليومية ، فيقوم بضبط مجريات الأمور المدنية والسياسية؛ وتبعا لذلك فإن المواطنين ليسوا محرومين فعليا من بعض حقوقهم فحسب، بل إنهم أيضا سجناء الدولة وعرضة لحكمها الطاغي وقهرها الدائم ، تماما كما كان واقع مواطني الدولة العثمانية. وكما سنرى لاحقا فان الدولة ذات النظام الأبوي المحدث ن وبغض النظر عن بناها التشريعية والسياسية وأشكالها ، ليست سوى نسخة محدثة عن السلطنة الأبوية التقليدية »[1/25].
نجد تعريفا معمقا للتخلف في ميدان أخر من بحوث التخلف الاجتماعي العربي. فقد حلل الباحث في التراث الإسلامي، نصر حامد أبوزيد، مبدأ الحاكمية في الفقه المتداول منذ العصر الوسيط،  » ليس مقصورا على الدلالة السياسية ، بل يمتد عميقا في بنية الوعي الاجتماعي، فيصبح مبدأُ حاكما لكل المؤسسات الاجتماعية بدءًا من الأسرة، فتتركز الحاكمية بيد الذكر في علاقته بالأنثى، وفي يد الأب في علاقته بالأبناء والأكبر في علاقته بالأصغر، والرئيس بالمرؤوس؛ ويتحول الأمر الى كارثة حين نرى للمبدأ حضورا في المؤسسات الفكرية والعلمية، فتتحول المؤسسة الدينية – الأزهر- الى حكَم في شؤون الفكر والإبداع العقلي والأدبي والفني. ان وجود جهاز للرقابة على الكتاب والمصنفات الفنية والأدبية كارثة في حد ذاته؛ فما بالنا حين يسيطر على هذا الجهاز المؤسسة الدينية ، فتصادر الكتب وتتدخل بالحكم على بعض الإنتاج الفني »[2/144]
منذ القرن التاسع عشر ، وخاصة في مطلع القرن العشرين تبلورت الامبريالية الثقافية بجناحها المركزي الأوروبي كركيزة أولى ، لا بل الركيزة الأقوى والأكثر فاعلية وتأثيرا على الثقافات العالمية الأخرى؛ فاجتذبت اليها بأشكال مختلفة ، أعدادا كبيرة من المثقفين العرب . وبدلا من صياغة مشروع نقيض للمشروع الامبريالي الثقافي، الغازي تمت المصالحة معه أيضا على نفس القاعدة التبعية التي ظهرت في المجالات الاقتصادية والسياسية . تجدر الملاحظة ان الاستتباع الثقافي قد تم في مرحلة تاريخية فقدت الثقافة الأوروبية بعدها الإنساني والليبرالي الذي عرفته في عصر التنوير[3/27]. »
ومن وجهة نظر علم النفس الاجتماعي اعتبر « التخلف جزءًا من النظام الاقتصادي العالمي، ولا يخدم قضية الخلاص من ربقة التخلف والتبعية إخفاء الرابطة العضوية بينهما. ويترتب على الهيمنة الاقتصادية مقاومة للتغيير تنبع من تضافر نظرة رضوخية الى العالم الطبيعي مع بنى اجتماعية ذات نمط تسلطي تنشئ شخصية ذات بنية تسلطية، مما يخلق ويعمم نظاما من العلاقات يتصف بالسيطرة – الرضوخ[4/27]. العلاقة عدائية تناحرية في المجتمع الأبوي المستحدث، « بمقدار ما تتضخم ذات المتسلط تفقد ذات التابع المسود أهميتها واعتبارها ، حتى لكأن إنسانيتها تتلاشى كليا . والواقع ان السيد لا ينظر الى الآخر المقهور كإنسان فعلي ، انه يفقد التعاطف معه والإحساس بمعاناته وآلامه، ومخاوفه وحاجاته . من هنا تنبع تلك القسوة البادية في تصرفاته تجاه من يخضعون له ، تلك اللامبالاة تجاه معاناته[4/37] وبمقدار ما يبخس الإنسان المقهور ويفرض عليه الانحطاط والشقاء ، يصبح مستضعفا اتكاليا مستكينا . وهذا بدوره يؤكد في ذهن المتسلط أسطورة تفوقه وخرافة وغباء الإنسان المستضعف وعدم آدميته [4/38]. مرحلة الرضوخ « لونت بخصائصها وصبغت بسماتها البارزة الأفكار الشائعة من التخلف بكل ما فيه من سلبية وجمود وخرافة وانحطاط . وهي التي شجعت الأحكام التبخيسية التي كونها المستعمر والمتسلط المحلي عن الشعوب المقهورة، جاعلا من خصائص مرحلة واحدة طبيعة ثابتة لتلك الشعوب[4/39]. ومن ثم « تحدث عملية اجتياف [ابتلاع] للتبخيس تكيل النعوت السيئة للنفس متهمة إياها بالتقصير والتخاذل والجبن[4/40].وأبرز مظاهر التبخيس الذاتي هو  » الإعجاب بالمتسلط والاستسلام له في حالة من التبعية الكلية. بمقدار ما ينهار اعتباره لذاته ، يتضخم تقديره للمتسلط يرى فيه نوعا من الإنسان الفائق(41).

الأبوية نظام يعود الى النظم القبلية في عصر ما قبل الإسلام، ووحد الدين الإسلامي القبائل في الجزيرة العربية في أمة دون أن يغير من العلاقة العمودية داخل المجتمع والدولة. استمر الحال على هذا المنوال حتى حدث الاصطدام مع الامبريالية فتشكل نظام أبوي محدّث او مستحدث. غدت « الأبوية والامبريالية موضوعيا حليفان متآزران يعيقان تقدم أي تغيير اجتماعي وسياسي طبيعي. القهر و تبخيس الإنسان معلم بارز في النظام الأبوي[1/27].
في بداية عقد الستينات ابتدع المثقفون المحيطون بالرئيس الأميركي، جون كندي، نمط الاقتصاد الاستهلاكي لحرف انتباه البلدان حديثة الاستقلال عن التنمية الاقتصادية واخذت تروج معها ثقافة استهلاكية تغري بالاستهلاك، طبعا من السلع المنتجة في مصانع الامبريالية؛ ومع جاذبية الاستهلاك كسبا للوجاهة نما في المجتمعات العربية ميل للفساد والإفساد وتهالك على الكسب بمختلف السبل، الى جانب تعزيز التبعية والتذيل لبلدان الغرب الامبريالية جراء انبهار بالغرب وشعور بالنقص حيال العقل المنتج للسلع عالية الجودة، نظرا لقصور الإدراك عن فهم ان ذلك نتيجة معرفة بالقوانين الفيزيائية والرياضية ثمرة البحوث العلمية. هيأ النمط الاستهلاكي للاقتصاد والثقافة البلدان التابعة لمزيد من الغرق في مستنقع التبعية مع نشوء الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق، حيث برز في الثقافة نزعات القسوة والعنف والعنصرية وكل ما يفسد إنسانية البشر.
شهدت مرحلة الهيمنة الأوروبية تعاظم البرجوازية المثقفة ، علمانية ليبرالية واتساع قاعدتها ، مدارس على النمط الأوروبي وبعثات الى أوروبا ، انفتاح على الفكر الحديث؛ غير أن افراد الجيل لم يتخطوا حدود نظرية المعرفة التي رسمها الجيل السابق، اتسمت بالانصياع التام للنظام القائم وإيديولوجيته. انصرفت الأبوية المستحدثة الى تبني موقف أدبي – ديني من اوروبا ومن التاريخ والذات ، فحرمت نفسها ومنذ البدء من ابرز فرصة للتطور باتجاه موقف مستقل وواع كان ليمكنها بعد استيعاب صدمة اوروبا من تمهيد السبيل أمام الفهم العلمي. [1/118]. برز المثقفون في خدمة الدولة ، يعملون على تزويدها بمنظريها العقائديين وكبار موظفيها وخبرائها . امتزج المتعلمون والمثقفون في إطار البرجوازية الصغيرة[1/119]. بقي الوعي العربي خاملا أو جامدا وقابعا في مصاف موقف سابق على التفكير العلمي ومنصرف الى التمحيص الأدبي العقائدي وقادر على صياغة النقد الساذج فحسب[1/120].
لم يكتمل الإطار الثقافي للأبوية المحدثة ، ويستكمل في حلقة قادمة

سعيد مضيه

المراجع: 1- هشام شرابي: البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي
2- نصر حامد أبو زيد: النص السلطة الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة
3- مسعود ضاهر:مجابهة الغزو الثقافي الامبريالي الصهيوني للمشرق العربي ط1،-منشورات المجلس القومي للثقافة العربية1989
4- مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي سيكولوجية الإنسان المقهور / ط5 ، بيروت

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.