من هو كبش فداء لبنان؟

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 1 mai 2020 - 1:10
من هو كبش فداء لبنان؟

تقديم سلامة كبش فداء نتيجة مباشرة لأمرين: نقمة حزب الله عليه لأنه ساهم في إطباق القبضة الأميركية على مصادر تمويل الحزب، والثاني تحميل عهد سعد الحريري، حصرا، أوزار الحال التي وصلها المواطن اللبناني اليوم.

لم تستطع جائحة كوفيد – 19 أن تسيطر على الحراك الشعبي اللبناني كما فعلت بكبرى مدن العالم مانعة الناس من النزول إلى الشارع لقضاء حاجات يومية ضرورية لاستمرار الحياة.

فلبنان يبدو في هذه الأثناء في حالة من الفوضى المدمِرة والغضب الشعبي العارم، ما قد ينبئ بسقوط حر للحكومة العتيدة تحت وطأة نوعين من الفايروسات القاتلة اقتحمت عقر دار كل لبناني، الأول قديم جديد وهو الفساد، والثاني مستجدّ وهو كورونا.
اندلعت احتجاجات ضخمة في كبرى مدن الشمال طرابلس رغم منع التجوّل المفروض من الدولة بسبب الجائحة، تزامنا مع تدهور الحالة الاقتصادية، وانهيار الليرة اللبنانية مقابل الدولار، وفقدان السيطرة على الأسعار للمواد الرئيسة، فما كان من المواطن اللبناني إلا أن اختار الموت الرحيم متظاهرا من جديد في الساحات. وشهدت طرابلس في اليوم الأول من الاحتجاجات مقتل أحد المتظاهرين الشباب على يد قوات الأمن التي استعملت الرصاص الحيّ المباشر لقمع أعمال شغب نتجت عن حال الإحباط والتوتر التي يعيشها الشارع المنتفض.
تبدو حكومة حسان دياب عاجزة عن استيعاب هذا الغضب الشعبي بإصلاحات سريعة لضبط سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية في مناخ من سوق صرافة يسيطر على حركته حزب الله بلا منازع. وكان أحد المتظاهرين في طرابلس، التي هي من أشدّ المدن إهمالا من طرف الدولة، قد طالب الحكومة بالقبض على ما يقارب عدده 300 “صرّاف” يعملون ضمن شبكات للصرافة يديرها أفراد من حزب الله، يُرجّح أنهم المسؤولون عن تدهور الليرة إلى مستوى غير مسبوق حيث وصل سعر صرفها إلى 3800 ليرة مقابل الدولار الواحد، مقارنة مع سعر صرف لم يتجاوز 1500 ليرة في أحلك الظروف.
أما رئيس الحكومة فقد حمّل حاكم مصرف لبنان المركزي مسؤولية الهبوط التنازلي لقيمة العملة الوطنية، متهماً إياه باتباع سياسات “مبهمة” أدت إلى انهيار الليرة أمام الدولار. وطالب دياب بتحقيق مستقلّ وذي مصداقية بشأن تحويل “المركزي” لمليارات من الدولارات في الأسابيع الأخيرة إلى الخارج متجاهلا صوت الشارع الغاضب نتيجة العجز المالي العام. وقال دياب في تصريح له “المصرف المركزي إما عاجز أو غائب، أو يحرّض بشكل مباشر على الانخفاض الكبير في قيمة العملة”.
يبدو أن الحكومة، ومن ورائها موقع الرئاسة اللبنانية، توجّه إصبع الاتهام حصرا إلى رياض سلامة، حاكم المصرف المركزي منذ العام 1993، ومهندس اقتصادات لبنان ما بعد الحرب. وقد ساهم في السنوات الأخيرة بتنفيذ العقوبات الأميركية على الميليشيات الممولة من طرف إيران وفي مقدمتها حزب الله.
تقديم سلامة كبش فداء قد يكون نتيجة مباشرة لأمرين لا ثالث لهما: الأول هو نقمة حزب الله عليه لأنه ساهم بحزم في إطباق القبضة الأميركية على مصادر تمويل الحزب وتجفيف قدر كبير منها، والثاني تحميل عهد سعد الحريري، حصرا، أوزار الحال التي وصلها المواطن اللبناني اليوم من ظروف العوز والتردي المعيشي وغياب الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الصحية لاسيما إثر انتشار كوفيد – 19.
وبالعودة قليلا إلى الوراء لضبط المشهد الحالي وتفهّم أفضل لحيثياته، لا بد من التوقّف عند العام 2005 وهو عام مفصلي في التاريخ اللبناني شهد اغتيالا عظيما استهدف رئيس الحكومة رفيق الحريري، تلاه تحرر لبنان من الوصاية السورية بخروج قوات الردع، وهي القوات التي بدأت عربية وتحولت بعد سنوات قليلة من دخولها إلى مجموعات عسكرية وأمنية أسدية صرفة.
كان من المفترض أن يترافق التحرر من اليد الأمنية السورية الطولى في لبنان، التي عاثت فسادا وقمعا واستتباعا للسياسات ورجالاتها بالحكم الفاسد في دمشق، مع حملة لتطهير البلاد من أذيال الفساد والطائفية وانفلات السلاح وسلطة الميليشيات وسطوة المافيا المالية الشريكة مع مافيات دمشق وحيتانها. لكن، ولسوء الطالع والتدبير، لم يحدث الإصلاح المطلوب بعد عودة مقاليد الأمور إلى السيادة اللبنانية متمثّلة بسلطة الرئاسات الثلاث، بل تعمق الانقسام العمودي على مستوى الطائفة، وارتفع مستوى الخندقة وراء زعمائها، وكان الفساد هو الكأس الذي يدوّره أصحاب النفوذ على صغار النفوس ممن تعاقبوا على مواقع المسؤولية وحققوا ثروات هائلة على حساب مديونية متعاظمة للدولة من جهة، وتحويل الشعب اللبناني من موقعه في مقدمة شعوب المنطقة علما وعملا وتقدّما ورفاهة إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة دفاعا عن أبسط حقوقه وهو حق الوجود، من جهة أخرى.

فوضى مدمّرة

من نافلة القول إن المحاصصة الطائفية، والتغوّل على السلطة، بل اللجوء إلى ترهيب الشارع وأجهزة الدولة، جاءت مجتمعة حاملة دمغة حزب الله خلال أحداث السابع من مايو للعام 2008 في العاصمة بيروت. ففي سابقة على الحياة السياسية اللبنانية هي الأكثر خطورة وعنفا منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، قامت عناصر مسلّحة من حزب الله وحلفائهم من حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي والبعث باحتلال العاصمة بيروت وبعض مناطق الجبل، وذلك إثر صدور قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله، وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي الذي يعتبره الحزب محميّة خاصة من محمياته.
فشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة في جمع السلاح وحصره بيد الدولة. وفي حين أبدت الدولة اللبنانية مرونة في قبول تمثيل سياسي لحزب الله في وزارات سيادية، إلا أنها فشلت في هذه المقايضة السياسية أن تنهي احتفاظه بالسلاح، والاستقواء بالخارج الإيراني، بل ورهن القرار السياسي لأهواء الحزب وداعميه غير اللبنانيين. وليس انتقال سلاح الحزب ومقاتليه للانخراط في حروب خارج الحدود، ومشاركته بعمليات عسكرية في سوريا والعراق واليمن أطلق عليها العالم رسميا صفة الإرهاب، إلا المثال القاطع الذي يدحض كل الأسباب والمبررات.
أما الفساد المالي فجاء تحصيل حاصل للعاملين السابقين: الطائفي والميليشياوي. واستحالت المشاريع الانمائية تحت سطوته إلى غنائم يقتسمها محتكرو المواقع السياسية أو أصحاب اليد الطولى بالسلاح من الذين لا يكتفون باقتناص الفرص ومنعها عن الآخرين، بل يمنعون أي شكل من المحاسبة أو المساءلة عن الهدر والتسريب المالي.
أنجبت المشاريع الكبرى في الكهرباء والاتصالات والخلوي وغيرها من الصفقات العملاقة، طبقة من أثرياء الحرب تضاهي كل ما عرفه لبنان في تاريخه الحديث من الاحتكار والتغوّل على حقوق الإنسان اللبناني المغلوب على أمره، بحيث لم يتركوا له سوى خيار واحد هو زجاجات المولوتوف ينتقم بها من أبنية المصارف ويحطّم بوابات المؤسسات المالية في جولات من التظاهرات اختلط فيها رصاص قوات الأمن مع عنف الشارع المضاد.
في فصل المقال سأستعين بمقال أهل الشأن وأردّد ما كتبه وليد شقير “المأزق الذي يغرق فيه لبنان لا يستثني أيّا من قواه السياسية، سواء كانت ممثلة في الحكومة أم لم تكن. وإذا كانت عودة الناس إلى الشارع احتجاجا على تردي الأحوال المعيشية تختزل عمق المأزق، فإن الحكومة هي الأخرى في صلبه. فبعدما كان بعض الشارع حيدها نسبيا عند تأليفها، بات المحتجون يصنفونها ضمن شعار ‘كلن يعني كلن’ وقد تماهت مع أركان الحكم”.

مرح البقاعي – كاتبة سورية أميركية

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.