من المسؤول عن ظاهرة الإرهاب وميلشيات الأحزاب؟

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 25 janvier 2020 - 4:24
من المسؤول عن ظاهرة الإرهاب وميلشيات الأحزاب؟

من الظواهر التي رافقت الأحتلال الأجنبي للعراق بكل مسمياته وألوانه هو ظهور السلاح المنفلت خارج سيطرة السلطة بشكل غير مسبوق وإن كان في السابق ظاهرة ملحوظة ولكن في نطاق أجتماعي معتاد، أو ضمن حدود التمرد العسكري على السلطة من قبل تنظيمات سياسية عسكرية خرجت بعنوان المعارضة المسلحة..

من الظواهر التي رافقت الأحتلال الأجنبي للعراق بكل مسمياته وألوانه هو ظهور السلاح المنفلت خارج سيطرة السلطة بشكل غير مسبوق وإن كان في السابق ظاهرة ملحوظة ولكن في نطاق أجتماعي معتاد، أو ضمن حدود التمرد العسكري على السلطة من قبل تنظيمات سياسية عسكرية خرجت بعنوان المعارضة المسلحة، وبالتالي فكونها وفق هذا المنظور السياسي والأجتماعي فهي خارج مسئولية الدولة ليس لأنها فقط تحمل السلاح ولكن لأن السلطة لم تشجع ولم تقبل بهذا الوضع على أي حال، وصحيح أيضا أن عسكرة المجتمع وإجباره تحت شعارات وعناوين وطنية أو قومية مهد لتكوين جيوش من هذه المليشيات المدربة أو التي لها تعامل مباشر مع السلاح وحمله، وهذه الخطيئة من ضمن جنايات النظام السابق بكل تأكيد.
الوضع بعد 2003 أختلف كليا وأصبح السلاح ظاهرة مألوفة خاصة بعد قرار المحتل الأمريكي بحل الجيش وكل القوى الأمني متوهما ومعتمدا على قدرات القوات الغازية في السيطرة على بلد صعب المراس كالعراق، لكن هذا القرار انقلب من خلال مفاعيله ونتائجه نقمة على المحتل الغازي الذي لم يجد من بد أن يستعين بقوى عراقية تمسك الأرض من جهة وتقلل أحتكاك القوات الغازية مع الواقع المضطرب وتزايد خسائر المحتلين من جهة أخرى، هنا أرتكب المحتل الخطيئة الثانية حين سمح للقوى والتيارات التي كانت تناصب العداء للنظام القديم أن تزج بعناصرها في هذا الكيان المستجد والهجين، وخاصة بعد أن ظهرت بوادر المقاومة له ولمن يناصر قوات الأحتلال.
ما كان أمام الدولة وخاصة بعد إقرار الدستور ونفاذه وإعادة لملمة الشكل التنظيمي للدولة من مجال ملح إلا إعادة بناء الجيش والقوى الأمنية كواحدة من الخيارات الأستراتيجية لبناء دولة حقيقية، كان الخيار ضروريا وملحا وذو أهمية عالية لإعادة الأمن والنظام لمجتمع تمزقت عراه وأصبح تحت رحمة القوات الغازية المحتلة من جهة وعدم خبرتها بالواقع العراقي، وبين ما عرف في حينها بالمقاومة وعناوينها وأشكالها من جهة أخرى، حتى أصبح تكوين المجاميع القتالية ونشرها وأنتشارها أمر طبيعي بل ومبرر أحيانا، من قبل الكثير من أطياف المجتمع العراقي، هذا ما سمح لظاهرة أنتشار السلاح والتنظيمات القتالية في الكثير من المناطق العراقية وتحت علم وعجز الدولة والمحتل في كبح جماح هذا الأمر.
كان من أسباب أنتشار ظاهرة التسلح خارج القانون عدة عوامل منها ما هو متعلق بوجود الأحتلال على الأرض، ومنها ما هو متعلق كما قلنا بضعف الدولة وأجهزتها عن السيطرة على الوضع المنفلت، كذلك وجود التداخل والتعارض في المسئوليات والأختصاصات بين الجيوش المحتلة وبين القوى العسكرية والأمنية العراقية، وكذلك ضعف وهوان الرؤية الوطنية المسئولة عن إعادة بناء القوات المسلحة والاجهزة الأمنية التي إريد منها فقط مهمة مساعدة المحتل الأمريكي في مقاومة الرافضين لمشروع الأحتلال ووجوده، لذلك أصرت القيادات السياسية في حينها أن لا يكون هناك قيادة عامة للقوات المسلحة، ولا أي شكل من أشكال التنسيق في الأركان والعمليات خوفا وتحسبا من هاجس الإنقلاب العسكري أو التمرد على منظومة 2003 السياسية، وأيضا أعتراض ساسة لإقليم كردستان من وجود وتسليح جيش مهني ووطني عابر للمسميات التي جاءت بها العملية العسكرية الجديدة، لذا رفضت تسليحه وتطويره في الوقت الذي حرصت فيه على تسليح وتدريب وتقوية القوى العسكرية المرتبطة بها من ميليشيات البيشمركة وأمثالها.
إن الدستور لصادر عام 2005 والذي نص على كون القائد العام للقوات المسلحة هو ذاته رئيس الوزراء وأشترط مدنيته الوظيفية، جعلت من هذه القوات المسلحة مجرد كيانات متخصصة وفنية بقيادة زعماء لا يعرفون الماهية الوظيفية لها ولم تكن لهم تجربة في قيادة تنظيم عسكري محترف، وأضافه إلى هاجس الخوف منها تحولت القوات المسلحة إلى لعبة توازنات ومصالح ومحسوبيات ومحاصصة مما أفقدها حتى العقيدة لعسكرية الوطنية الجامعة، وأيضا أفقدها تبعا لذلك أولا وحدة القيادة والنسيق والعمل وثانيا تشتت ولاءاتها حسب الانتماءات والميول، واحتماء الفاسدين فيها خلف قياداتهم السياسية الحزبية والدينية والعنصرية، مما شكل ذلك فشل مستدام وحقيقي في عملها، وهذا ما يفسر إنهيارها السريع والمخزي أثناء دخول داعش الى الموصل.
وبالعودة للدستور وما تضمنه من نصوص تتعارض مع الحقوق الأساسية للإنسان والمواطنة والعيش الكريم، وخاصة في موضوع أجتثاث البعث والتمييز السياسي والعنصري ضد البعثيين عموما حتى مع من لم يقترف جرما أو يرتكب جناية، وحرمانهم من التوظيف والعمل والمشاركة في الحياة العامة التي وصلت لدرجة حرمانهم حتى في الأنتماء لمنظمات المجتمع المدني، في الوقت الذي فتح الدستور أبواب منافعه الواسعة لكل الذين أدعوا صدقا وكذبا معارضتهم للنظام السابق، أو الإدعاء بكونهم تعرضوا للاضطهاد والسجن السياسي وتمرير الأحزاب والكتل السياسية جميع مؤيديها وأنصارها لهذا الباب اللا منضبط، ولد عند الكثير من العراقيين الشعور بالغربة والأغتراب السياسي والاجتماعي وسد أمامهم كل فرص العمل والعيش الكريم.
لم يبقى أمامهم إلا الهجرة أو العمل السياسي والعسكري لمقاومة هذا الواقع مع غياب العدالة الأجتماعية والتأثير الإعلامي وغسيل الأدمغة التي مارسته أنظمة متخالفة ومتصارعة على الساحة العراقية بغية جلب الأنصار والمؤيدين لصفها بالتركيز على موضوع الطائفية والصراع المذهبي وغيرها من العناوين التي كانت أيضا مسنودة بالمال السياسي القذر، أما في الجهة الأخرى كان تعطيل العملية الأقتصادية وغلق عشرات الألاف من المصانع والمعامل وتدهور الزراعة وعدم وجود خطط أقتصادية واضحة وأنتشار البطالة بين جيل نهض من واقع الحصار والعقوبات الدولية، ليجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، أما الانخراط مع المليشيات حاملة السلاح خارج القانون والقتال معها في أي مكان ولأجل أي مهمة أو الموت جوعا وفقرا أو ضحية للصراعات ما بين هذه القوى المتناحرة على سرقة الثروة الوطنية والمال العام مرة باسم الدين والعقيدة ومرة بعناوين محاربة المحتل الأمريكي.

عباس علي العلي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.