كذبة حكومة التكنوقراط في لبنان

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 21 novembre 2019 - 9:36
كذبة حكومة التكنوقراط في لبنان

تبقى مُراقبة الشعب للحكومة وللمجلس النيابي وأحزابه ومبدأ المُحاسبة، هما الضمانة الوحيدة لاستقامة الحياة السياسية، لأن الشعب هو مصدر السلطات.

عجزت الحكومات اللبنانية المُتعاقِبة عن بناء دولة عادلة وقوية، وبعد تراكُم الفساد والأزمات حتى الخِناق، نزل اللبنانيون إلى الشارع مُطالبين بإصلاحاتٍ اقتصاديةٍ-اجتماعيةٍ، تحوَّلت في ما بعد إلى مطالب سياسية بعدما عمدت بعض الأحزاب على استغلال التظاهرات لتحقيق مكاسب سياسية، فكان الحل الذي رُوّج له هو حكومة تكنوقراط، أي حكومة اختصاصيين وخبراء غير مُنتمين إلى أحزابٍ سياسية.
الأحزاب التي عملت على احتواء الحراك واستغلاله تريد حكومة تكنوقراط لأنها تعجز عن الاستئثار بحصّة وزارية تريدها، ولأنها ترغب بإخراج حزب الله من الحكومة، أما حزب الله فيرى فيها تهديداً لشرعيّته السياسية والتي كسبها في الانتخابات النيابية. وفي ما يخصّ بعض المُتظاهرين فيرون بهذه الحكومة خشبة خلاص لبلدٍ أشبعته الأحزاب عذاباً وحِرماناً طيلة ثلاثين سنة، فيما لم تنطل هذه « الرافعة » على متظاهرين آخرين وجدوا فيها جسراً غير بريء إلى تحقيق مآرب سياسية تنسجم مع رغبات وخطط الخارج، وتحديداً الأميركي- السعودي.
لكن إزاء الكِباش الحاصِل حول شكل الحكومة المقبلة، لا بدّ لنا من أن نسأل: هل حكومة التكنوقراط حل واقعي أم بِدعة؟
مَن صوَّب على حكومة التكنوقراط مُعتبِراً إياها تجربة فاشلة مُستنداً إلى حكومة صائب سلام عام 1970 التي انتهت بعد بضعة أشهر، تناسى أن كل عهد رئاسي قبل الطائف عايَشَ عدداً كبيراً من الحكومات، بعضها لم يدم ساعات.
في عهد الرئيس بشارة الخوري مثلاً تشكَّلت حوالى 15 حكومة، وفي عهد الرئيس شارل حلو تشكَّلت نحو 10 حكومات، وحتى عهد الرئيس فؤاد شهاب، الأكثر ازدهاراً واستقراراً، شهد تشكيل ست حكومات.
أما مَن روَّج لحكومة تكنوقراط فقد أغفل أموراً لا يمكن التغاضي عنها.
قسَّم مونتسكيو السلطات إلى ثلاث، قال إنها مُنفصِلة، لكنها في الحقيقة مُترابِطة ولا تستطيع أية سلطة القيام بعملها من دون تعاون السلطات الأخرى.
في كل دول العالم، التي تعتمد على الانتخابات لتكوين سلطة شرعية، الحزب الذي ينال الأغلبية في البرلمان هو الذي يترأّس الحكومة ويؤلّفها.
هذا المفهوم السياسي يُطبَّق في النظام القائم على حزبين وفي النظام القائم على عدّة أحزاب، وفي الحال الأخيرة قد تتّفق كتل برلمانية مُعيّنة لتصبح أكثرية وتُمسِك بالحكومة، أو تتشكّل حكومة ائتلافية، كل حزب يتمثّل فيها بحسب حصَّته البرلمانية.
هذا في ما خصّ النظام البرلماني، أما في النظام الرئاسي، فالرئيس المُنتَخب من الشعب، يختار وزراءه ويكون هو رئيس السلطة التنفيذية.
في الحالين لا يمكن للحكومة أن تكون خارج فلَك النتائج الانتخابية، إضافة إلى أن احتمالات التصادُم والجمود أكبر ولبنان ليس استثناء!
وبذلك فإن حكومة التكنوقراط بِدعة لا تمّت إلى الواقع السياسي بصِلة، فالحل الأنسب لتشكيل حكومة فعَّالة اليوم ودائماً، هو بتعيين الأحزاب لأفضل الكوادر التي تختارها، أي أن تكون الحكومة مؤلَّفة من اختصاصيين ناجحين لديهم خلفيّة سياسية، أو تعيين الوزراء على أساس اختصاصهم مُحاطين بالمُستشارين من أجل الأمور التقنية.
لكن تبقى مُراقبة الشعب للحكومة والمجلس النيابي وأحزابه ومبدأ المُحاسبة، هما الضمانة الوحيدة لاستقامة الحياة السياسية، لأن الشعب هو مصدر السلطات.

نادين قليمة – كاتبة لبنانية

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.