في بحور الطيب

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 28 septembre 2019 - 4:56
في بحور الطيب

في عام 1966 ليلًا في أحد الغرف التي يفوح من خشبها رائحة الصندل على ضوء خافت كان هناك رجل يكتب آخر سطور في روزنامة أوراقه، وبالفعل أنهي الكتابة ووضع القلم وأغلق الروزنامة.

وضعها في مظروف، وكتب على المظروف رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب الطيب الصالح، ومن هنا قارئي العزيز انتشرت تلك الرواية وأصبحت من ضمن أفضل 100 رواية عربية، والدليل على ذلك أننا إلى الآن نتحدث عن تلك الرواية، ونتأولها بالنقد والنشر.

عن الكاتب

هو الطيب الصالح الكاتب ذو الجذور السودانية عاش معظم حياته وسنواته التعليمية الأولى حتى البكالوريوس في الخرطوم – السودان.

من هنا بدأ الطيب موسم هجرته الشخصية في البلاد الأوروبية، وبدأ رحلته مع الإبداع بالتنقل من بلاد الغرب بحثًا عن العلم والإبداع، وصار أهم كتاب العرب.

أطلقوا علية عبقري الرواية، وترجمت له العديد من الروايات، وأدبه كان يتحدث، ليس عن الحب فقط، بل عن وطن يبحث عنه في أوطان أخرى؛ حتى مات سنة 2009 في لندن، وهو لا زال في موسم هجرته.

عن الرواية

هي رواية عن الأدب الاستعماري (أو ما يقال عنه ما بعد الاستعمار)، وعلاقة الإنسان صاحب الوطن بالمستعمر، وما هي علاقة الإنسان بمستعمره في وطنه (بمعنى في وطن المستعمر).

ترجمت بالطبع الرواية للعديد من اللغات وإلى الآن هي محط إعجاب العالم. تتكون الرواية من شخصيات متداخلة، وأهمهم:

أ‌- البطل المهاجر إلى بلاد المستعمر.

ب‌- الراوي الجالس في وطنه في ظل المستعمر.

في بحور الكلمات

والآن قارئي العزيز لنبدأ الإبحار سويًا ما بين دفتي روزنامة موسم الهجرة إلى الشمال، هنا ننوه أن الكاتب يكتب هذه الرواية، وهناك غصة الاستعمار تملأ قلبه (هنا الاستعمار هو الاستعمار البريطاني للسودان).

هنا قارئي نذهب سويًا مع الطيب إلى مستقر الرواية، وهي السودان، وفيها نجد البطل الأساسي محمود، يجلس ما بين جمع من الأفراد، وتحلل أذنه العديد من الأصوات ليكتشف أنه عاد إلى السودان بعد سني الهجرة.

ومن هنا يبدأ محمود رحلته للماضي قبل العودة إلى السودان. عندما أنهى تعليمة الجامعي واتته منحة إلى إنجلترا، وهنا أيها القارئ العزيز أتت الفرصة إليه للسفر واقتحام المستعمر الذي أتى إلى ارض السودان، واستعمر أرضها، وما بين ثنايا تجهيز البطل الأساسي لنفسه لاقتحام أوروبا وخاصة بريطانيا.

على الخط الموازي في الرواية يظهر الراوي البطل المحوري لتلك الرواية ويصوره الكاتب بالشخصية المتمسكة بالوطن والتي تريد أن تناضل من أجله وتحسن أحواله.

هنا يتضح لنا من الرواية والخطوط الأولى لها أن الكاتب يمثل فيها الشخصيتين، الوطنية التي تحارب من أجل الوطن بداخل الوطن، والشخصية الأخرى التي ترى أن أفضل طريقة لمحاربة الاستعمار عن طريق اقتحام المستعمر في وطنه.

يذهب محمود إلى بريطانيا، ويستمر في عمليته التعليمية، ولكن تخلله إحساس أنه يريد يستعمر بريطانيا، ولكن لم يجد بيده سوى أن يستعمرهم جنسيًا عن طريق نسائهم، وهنا استمر محمود في بريطانيا، خصوصًا بعد أن تم التعاقد معه كمحاضر، وتزوج من هناك، وبدلًا عن أن يحتل هو المستعمر.

المستعمر هو من استعمره في أرضه، وتزوج بريطانيا، وهنا تتصادم الحضارات، ويتصادم الواقع لدى محمود، وهنا نرى أن الكاتب كان يعكس نظرة الإنسان الذي يخرج من بلد نام إلى دولة متقدمة، وهنا تلهيه أضواء بريطانيا ونساءها الشقراوات، وبالفعل قام البطل الأساسي بالغرق في بحور النساء ليصب لنفسه قبلهن، إنه قادر على الاحتلال، وإن كان هذا الاحتلال مجرد مخدع للنوم.

وعندما كان يقوم محمود بذلك في بلاد الاستعمار كان الراوي قد عاد إلى السودان جالس فيها يحاول أن يغير شيئًا حتى وإن كان بسيطًا.

هنا أحب الكاتب أن يلقي الضوء على تجربتين بأسلوب سردي لا يخل بفهم القارئ، بمعنى تعيش مع محمود في الشمال، وتعيش مع الراوي في الجنوب.

وترى بعيونك مدى الاختلاف بينهم مع العلم أن كلًا منهم عاش نفس التجربة، وهذه كانت قوة حبكة الطيب، حيث جعلك تعيش الحكاية مرتين، مرة مع محمود، ومرة مع الراوي بدون أي خلل في الخيال أو في نمط الكتابة؛ مما جعلك تغوص معه، وتعيش كل المراحل باستماع القارئ الشغوف.

هنا يرصد الطيب أن الحياة لن تستقيم بين المستعمر والمستعمر في صورة محمود السوداني وزوجته الإنجليزية وحتى إن التبس محمود الصفات الإنجليزية فهذا لا يغنى من أنه لا زال سودانيًا يري الإنجليز أنهم مستعمرون، وان هذا الإحساس سيسود العلاقة، سواء في المخضع أو في العلاقة الإنسانية، وبالفعل زوجته ترفض هذه السيطرة، ومن هنا يعود محمود إلى السودان، ويلتقي الجمعان، نفس الشخصين بنفس التجارب السيئة يعودان إلى نفس الوطن.

ولكن هنا يختلف الموقف من حيث محمود يكتفى بأنه حاصل على شهادة الدكتوراه، وأنه يتزوج ويكفيه أن الجميع ينظر إليه نظرة فخر كمحارب استطاع أن يغزو أرض المستعمرين، أما الراوي هنا فيجلس على أرضه يحاول أن يستفيد من تجربته، ويبقي ويصنع مستقبلًا لوطنه.

محمود تمر علية الأيام، ويموت بلا ذكرى؛ لأنه عاش ومات لنفسه، أما الراوي فسيظل على أرضه يتذكر التاريخ ويبحث عن تاريخ جديد لوطنه. هنا الكاتب أحب أن يظهر أن من يعيش لنفسه يموت وحده، ومن يعيش لوطنه سيظل للأبد في ذكرى وطنه.

هنا قارئي العزيز لتعلم في النهاية أنها رواية تستحق التأمل والقراءة لأنها تحمل في طياتها معاناة أشخاص لا تظهر في مواقف، بل تظهر في سلوك معاناة أشخاص ما بعد الاستعمار.

الطيب كاتب يستحق القراءة والتأمل والتمعن لأن كلماته كلما قرأتها أعطتك معنى جديدًا، والأنسب لختام حديثي جزء من قصيدة محمود درويش أنسي:

أَنا للطريق… هناك من سَبَقَتْ خُطَاهُ خُطَايَ
مَنْ أَمْلَى رُؤاهُ على رُؤَايَ. هُنَاكَ مَنْ
نَثَرَ الكلام على سجيَّتِه ليدخل في الحكايةِ
أَو يضيءَ لمن سيأتي بعدَهُ
أَثرًا غنائيًا… وحدسًا
تُنْسَى، كأنك لم تكن
شخصًا… ولا نصًّا
تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ

الكاتب: محمد بهاء الدين

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.