«فورين بوليسي»: لمواجهة التراجع الأمريكي.. هل ستبني أوروبا جيشها الخاص؟

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 10 septembre 2019 - 9:31
«فورين بوليسي»: لمواجهة التراجع الأمريكي.. هل ستبني أوروبا جيشها الخاص؟

شرت مجلة فورين بوليسي مقالًا لمدير مركز السياسة العالمية في واشنطن، عظيم إبراهيم، حول إمكانية بناء جيش أوروبي خالص، لمواجهة التراجع الأمريكي في الغرب والتصعيد الروسي في الشرق.

استهل المقال بالإشارة إلى الوقت الذي كانت هواتف البيت الأبيض ترن فيه دون توقف؛ إذ يتنافس زعماء العالم لتقديم التهنئة إلى الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. 

ويقول الكاتب، وهو أيضًا أستاذ باحث بمعهد الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب العسكرية الأمريكية: لم تعد «الترامبية» مجرد ومضة عابرة أو انحراف سياسي عن النظام الطبيعي، وإنما أضحت اتجاهًا سياسيًّا جديدًا. فالرئيس المفعم بالجرأة مصمم على مواصلة سياساته بحماسة متجددة، وضمان ترسيخ إرثه في هذا العالم الجديد. 

ويتابع المقال: عالمٌ لم تعد فيه الولايات المتحدة ترغب في أن تصبح «شرطي العالم». عالم أعلن فيه رئيس أمريكي أن الناتو – الذي يعد حجر الزاوية في سياسة الدفاع الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية- قد أصبح عتيق الطراز. عالمٌ يُستَخدَم فيه عدم الاستقرار السياسي أداة ضغط لانتزاع الإسهامات النقدية، أو التنازلات التجارية من حلفاء شكليين (ليس لهم من التحالف إلا الاسم). عالم تنظر فيه القاعدة السياسية لرئيس الولايات المتحدة إلى الكرملين بصفته حليفًا وصديقًا أقرب من أي أمريكي ينتمي لحزب سياسي مختلف.

قبل أربع سنوات، كان هذا بمثابة فرضية ضئيلة للغاية لفيلم خيالي يقدم تاريخًا بديلًا. لكن اليوم، أصبح هذا العالم حقيقيًّا جدًّا. وبات القادة الأوروبيون يفكرون بالفعل في كيفية التعامل مع سيناريو يواجهون فيه انبعاث إمبراطورية في الشرق، وذبول قوة عظمى- لم تعد صديقة- في الغرب. في ظل هذه الظروف، يمكن أن يظهر جيش أوروبي حقيقي لأول مرة.

موقع الناتو في عالم ما بعد أمريكا

ويرى الكاتب أن السؤال الأول المطروح على أوروبا في عالم ما بعد أمريكا هو: موقع حلف الناتو؛ الذي يراه تجسيدًا عصريًّا للحلف الديلي في اليونان القديمة. مشيرًا إلى أن الواقع السياسي بعد الحرب العالمية الثانية تطلَّب من الولايات المتحدة، بصفتها «زعيم العالم الحر»، أن تقدم حلف الناتو تجسيدًا لمثل هذا التحالف الذي يرتكز على المنفعة المتبادلة بين الشركاء المتساوين. لكن الولايات المتحدة، مثل أثينا، كانت القوة العسكرية المهيمنة في هذا الترتيب بفارق كبير، ما جعلها قادرة على اتخاذ كل القرارات التي من شأنها التأثير في المشهد برمته. 

ويكمل مؤلف كتاب «الأصول الراديكالية: لماذا نخسر المعركة ضد التطرف الإسلامي»: استمتع «العالم الحر» من جانبه بـ«السلم الأمريكي» (فترة طغيان النفوذ الأمريكي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية) بفضل الإنفاق الدفاعي الذي تبلغ نسبته 2% من الناتج المحلي الإجمالي، والمساهمة بقوات مساعِدة في عمليات الانتشار التي ينفذها الناتو.

وهو يرى أنها ليست صفقة سيئة بالنسبة لدول فاض كيلها من الحرب، وتفضل بشدة التركيز على ترميم نفسها، جسديًّا واجتماعيًّا، بعد الحرب العالمية الثانية. فكلما تأخرت أي دولة في سداد الرسوم، كانت الولايات المتحدة معتادة على أن تتعامل مع ذلك بوصفه تأكيدًا إضافيًّا على تفوقها، وكانت على استعداد للتغاضي عنه مقابل الحصول على بعض الخدمات الأخرى غير المنصوص عليها.

ويردف قائلًا: من الواضح أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تريد أن تدفع مقابل إمبراطوريتها بعد الآن. إنها تعتقد أن الوقت قد حان للاستفادة من الصرح الذي بنته الأجيال السابقة، حتى لو كان هذا – أو ربما بشكل خاص- يؤدي إلى تدميره في هذه العملية. لكن خسارة أوروبا لن تكون مكسب الولايات المتحدة. 

ويلفت المستشار السابق في لجنة مكافحة التطرف التابعة لحكومة المملكة المتحدة، إلى أن هذه لم تكن لعبة محصلتها صفر؛ كما اعتاد صناع السياسة في الولايات المتحدة أن يعتقدوا. فبينما حصلت أوروبا على السلام والمجال لبناء الديمقراطية الاجتماعية، اكتسبت الولايات المتحدة أسواقًا مزدهرة، وسلطة سياسية، ومنطقة عازلة عسكرية كبيرة ضد روسيا، مما يعني أن قلب الولايات المتحدة لن يكون تحت التهديد المباشر، بصرف النظر عن الأمور الأخرى التي قد تحدث في العالم. وقد قوضت تصريحات ترامب كل ذلك.

ما يزال لدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية في جميع أنحاء العالم، وعمليات انتشار عسكرية مهمة للقوات على الحدود الشرقية لحلف الناتو؛ لذلك ما يزال بإمكانها – على سبيل المثال- التدخل لوقف العدوان العسكري المباشر ضد أعضاء الناتو من روسيا الناهضة. وما يزال بوسع واشنطن أن تختار بسط القوة في المنطقة كما تشاء. ولكن إذا كانت دول الناتو الأوروبية لا تستطيع أن تعرف على وجه اليقين أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك في أي ظرف من الظروف، فعليها الآن أن تبدأ التفكير بجدية في الدفاع عن نفسها.

في الواقع، لقد منح ترامب أوروبا استقلالها السياسي. ولقد استوعب القادة الأوروبيون، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الواقع الجديد بسرعةٍ من شأنها أن تدق جرس إنذار لدى صناع السياسة في واشنطن.

ولطالما كانت بعض الأوساط الأوروبية، أبرزها في دوائر الدفاع الفرنسية، تطمح منذ فترة طويلة إلى قوة عسكرية قارية قوية بما يكفي لمنح أوروبا درجة من الاستقلال الذاتي في الشؤون العالمية، تتناسب مع عدد سكانها، ومستوى تنميتها الاقتصادية.

قاومت فرنسا إغراء الاعتماد أمنيًّا على الأمريكيين طوال الوقت، وحافظت على درجة فريدة وصريحة من الاستقلال حتى داخل الناتو. وتمتلك فرنسا صناعة أسلحة متطورة للغاية، وتدير مهامها وعمليات انتشار قواتها الخاصة، ولا سيما في أفريقيا الفرنكوفونية، دون أن تطلب الإذن من أي شخص لفعل ذلك. 

ولا يخوض الجيش الفرنسي أبدًا تقريبًا حربًا في أي مكان، بشكل رسمي أو غير رسمي. وتنسق فرنسا مشاريع الدفاع الأوروبية، حيثما تفتقر وحدها إلى القدرة على دعم قطاع بأكمله، كما في حالة القوة الجوية (إيرباص) والفضاء (وكالة الفضاء الأوروبية).

لذلك لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن تكون فرنسا هي أول من دعا إلى تشكيل جيش أوروبي. الجديد هو أن معظم دول أوروبا الغربية موافقة، والأهم من ذلك أن ألمانيا موافقة على ذلك. توافق ميركل، ويوافقها وزير الدفاع الألماني السابق، والرئيس الجديد للمفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لين، ويوافق خليفة ميركل في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي من وسط اليمين، ويوافق حزب يسار الوسط الرئيسي في ألمانيا. 

موافقة هذا الأخير غير اعتيادية على وجه الخصوص؛ إذ كان اليسار في ألمانيا الغربية هو الأكثر معارضة لأي شيء عسكري، لأسباب تاريخية واضحة. بيد أن الجيش الأوروبي سيتيح لألمانيا بسط قوتها دون الدخول في الفوضى الدستورية والسياسية، المتمثلة في إعادة تشكيل الجيش الألماني نفسه، وهي قوة دفاع صارمة عن النفس. هناك تقسيم تقليدي للأدوار: فرنسا هي العضلات، وألمانيا هي المال. واتحادهما سويًّا يغير قواعد اللعبة.

اختلاف وجهات النظر حول المشروع الأوروبي

ومع ذلك، فإن إنشاء جيش أوروبي ما يزال بعيدًا عن كونه اتفاقًا منتهيًا. وتكمن المشكلة الرئيسية في وجهات النظر المختلفة للمشروع الأوروبي. إذ كان البعض، مثل البريطانيين، ينظرون إليه دائمًا على أنه مشروع اقتصادي أولاً وقبل كل شيء. ولطالما رأى آخرون أنه مشروع سياسي هدفه الرئيسي هو السلام في القارة، إذ يكون التكامل الاقتصادي مجرد وسيلة لتحقيق هذه الغاية. 

بالنسبة للبعض الآخر، يعد الاتحاد مجرد منصة للتعاون بين الدول القومية ذات السيادة. وبالنسبة لآخرين، لا يمكن تحقيق درجة معينة من السيادة الحقيقية إلا عندما تجمع الدول القومية الصغيرة في أوروبا صلاحياتها القانونية معًا؛ لامتلاك قوة ونفوذ حقيقيين على الساحة العالمية. هذه مشكلة. إن تشكيل جيش أوروبي هو نتيجة لواقع السيادة الوطنية للدول القومية في أوروبا، مثلما هو نتيجة لانسحاب الإمبراطورية الأمريكية من القارة.

يضيف المقال: من ينظرون إلى الدولة القومية بوصفها وحدة طبيعية للسيادة سيكونون حذرين للغاية من نطاق وقدرة أي جيش أوروبي مقترح. في الواقع، فإن الطريقة الوحيدة لتشكيل مثل هذا الجيش التي لن تؤثر في السيادة الوطنية هي أن تحتفظ الدول الأعضاء بقواتها المنفصلة مع استقلال تشغيلي كامل، وأن يكون لكل دولة حق النقض (الفيتو) على أي شيء قد ترغب القوة الأوروبية في فعله.

ومع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لن تستخدم المملكة المتحدة الفيتو ضد تشكيل جيش أوروبي، مما يزيد من احتمال نجاح الجهود في هذا المجال. لكن المملكة المتحدة هي بالكاد الدولة الوحيدة في أوروبا التي تحمي سيادتها الوطنية الإسمية بسياج من الغيرة. ومن المرجح أن تسعى بولندا والمجر إلى عرقلة هذه المبادرة، إذا لم تتمتعا بحق النقض (الفيتو) في المسائل التشغيلية. وربما تنضم إيطاليا قريبًا إلى مجموعة المشككين.

لكن إذا حدث ذلك بهذه الطريقة، فسيكون الجيش الأوروبي مشروعًا بلا معنى إلى حد كبير. وإذا كانت السياسة الدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي مفصلية لقيادة الجيش الأوروبي، فيتحتم أن تكون هذه السياسة تابعة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، وبالتالي ضعيفة وغير فعالة ومجزأة.

ويوضح الكاتب أن اتخاذ القرارات الجماعية، مع اضطرار 28 دولة للتوصل إلى إجماع على اتخاذ إجراء في أمور حساسة، مثل الحرب والسلام، ليس وصفة لاتخاذ إجراءات سريعة وفعالة. 

فما مدى احتمال تصويت دول مثل السويد أو فنلندا للحرب في أي ظرف من الظروف، دون وقوع غزو روسي مباشر؟ ثم ستكون هناك صراعات وطنية حتمية حول كيفية إجراء العمليات: كل دولة تريد تجنب أن تخدم قواتها على خط المواجهة، وستسعى كل دولة إلى أن تكون هي الجهة التي تقدم الدعم الفني المتقدم، من مسافة بعيدة.

حجر فرنسي- ألماني في المياه الراكدة

ومع ذلك، لا يمكن لحكام الإمبراطورية الأمريكية في البنتاجون الاسترخاء؛ لأنه في حين أن الدافع الأول للأوروبيين أنفسهم هو محاولة تشكيل جيش أوروبي ضمن الإطار المؤسسي للاتحاد الأوروبي، فلا شيء يتعلق بصلب المشروع يتطلب هذا. وعندما يتعلق الأمر بذلك، من غير المرجح أن يدع الجيش الفرنسي- الألماني بودابست تقف حجر عثرة في الطريق.

سيتطلب تشكيل جيش أوروبي بموجب الترتيبات المؤسسية للاتحاد الأوروبي تغييرات في معاهدة الاتحاد الأوروبي، يجب أن توافق عليها جميع الحكومات والهيئات التشريعية في 28 دولة، وربما يتعين حصولها على موافقة حفنة على الأقل من الاستفتاءات العامة. 

بيد أن بناء الجيش من خلال هذا المسار مستحيل بالفعل. وإذا نجح ذلك، كما رأينا، فإن الحلول التوفيقية اللازمة لإقناع جميع أصحاب المصلحة بالمشاركة، ستجعل المشروع بأكمله بلا فائدة إلى حد كبير.

لكن فرنسا وألمانيا وقعتا بالفعل معاهدة أولية تهدف إلى بناء «ثقافة عسكرية مشتركة» في يناير (كانون الثاني)، وكان ذلك مختلفًا تمامًا عن أي شيء يتعلق بالاتحاد الأوروبي. لذا فإن القوتين الأوربيتين الأساسيتين قد ألقيتا حجرًا في المياه الراكدة. 

ولا شك في أن دول أوروبا الغربية الأصغر مثل بلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورغ ستتطوع للانضمام إلى أي مبادرات فرنسية-ألمانية أثناء تطورها على درب الممارسة، وقبلها بوقت طويل، سينضم معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي، بينما يحقق المشروع مكاسب ويثبت مصداقيته. وقد يدمج ذلك في نهاية المطاف في الاتحاد الأوروبي، لكن هذا اعتبار ثانوي فيما يتعلق بجعله حقيقة واقعة.

ويختم الكاتب بالقول: ما نزال في الأيام الأولى، لكن الإرادة السياسية موجودة الآن لتحقيق كل هذا. وطالما استمر التصعيد الروسي في الشرق، واستمرت الولايات المتحدة في كونها صديقًا غير موثوق به في الغرب؛ فإن هذا التصميم سوف يستمر. وإذا استمر ذلك لفترة طويلة بما فيه الكفاية، فلن تكون أوروبا مجرد قارة. بل ستكون قوة عسكرية تضاهي نفوذها الاقتصادي.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.