طه حسين في مواجهة بن خلدون

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 22 février 2020 - 9:36
طه حسين في مواجهة بن خلدون

بلغت شهرة طه حسين وأعماله الآفاق، لكن معروف بكتاباته الأدبية دون كتابات أخرى لها أيضا أهمية كبرى، وتظهره مثقفا كبيرا مهتما بعدة مجالات، فهو الذي جعل المفكر الجزائري علي الحمامي يرى فيه نموذجا يجب أن يقتدى به الإنسان المغاربي المعاصر وأن يبنى على شاكلته، وذلك في كتابه « إدريس » الذي ألفه بالفرنسية عام1949، وقد تأثر الحمامي بأفكار طه حسين في مجال التعليم التي أبرزها بشكل مستفيض في كتابه « مستقبل الثقافة في مصر » أين يدافع عن الهوية المصرية، وهي الفكرة التي جعلت علي الحمامي يؤمن بدوره بالهوية المغاربية أو الشمال أفريقية بروحها الأمازيغية، والتي ستظهر بجلاء في كتاب ّإدريس » الذي هو عبارة عن تنظير وتتبع لتكوين ما يسميه ب »الأمة المغاربية » المتميزة بكل خصوياتها.

لعل من أبرز ما كتبه طه حسين هو تناوله الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام، وذلك في جزئين متتبعا سيرة كل من عثمان وعلي وبنيه الحسن والحسين، فوضع تلك الفتنة في إطار صراع سياسي بحت يستغل فيه الدين لأغرلض سياسوية، فلنذكر أن هذا المؤلف كتبه في بداية الخمسينيات، ولم يكفره أحدا آنذاك، ولم تظهر فكرة التشكيك في إيمانه إلا بعد بروز بعض التيارات الدينية التكفيرية، وكان أنور الجندي أحد هؤلاء المشككين فيه دون تكفيره، بل وصفه فقط ب »التغريبي » كما فعل مع الكثير من مفكرين كبار، ومنهم ساطع الحصري أحد كبار منظري القومية العربية، والذي كان يقول في الكثير من كتاباته « سنستبدل دينا قديما وهو الإسلام بدين جديد وهو العروبة ». نعتقد أن الكثير من العرب يعطون اليوم أهمية كبرى للعروبة على حساب الإسلام معتقدين أنهم يدافعون عن الإسلام وبدون وعي منهم بذلك، ولايعرفون من أين جاءت ممارساتهم وتصرفاتهم هذه، ويجهلون أنها نتيجة لدعاية ممنهجة ومنظمة لتحقيق الهدف الذي رسمه ساطع الحصري منذ عشرينيات القرن20. تحول أنور الجندي في الكثير من كتاباته إلى قاض يحاكم فيها مفكرين كبار، ويضعهم فيما يدعيه « ميزان الإسلام »، فلنتصور لو كتب طه حسين كتابه « الفتنة الكبرى » اليوم كيف ستنهال عليه الضربات، وتكفره لأنه أنتقد سلوكات العديد من الصحابة، ومنهم مبشرين بالجنة واضعا أياهم في موضع بشر غير مقدسين يتصارعون من أجل الثروة والسلطة الذي هو طبيعة في كل إنسان رغم قربهم الشديد من الرسول محمد(ص).
أشتهر طه حسين بتتبعه لأبي العلاء المعري أين نال به إجازة من الجامعة المصرية عام 1914، وربط إهتمام طه حسين بالمعري بسبب التشابه بينهما في فقدان البصر، كما عرف بتشكيكه في الشعر الجاهلي، مما أدى إلى مقاضاته في محاكمات بحكم أنه يريد بذلك التشكيك في القرآن الكريم، فاضطرته المحكمة إلى إلغاء بعض الفقرات والصفحات من كتابه، وقد نشر أبوبكر عزت وثائق تلك المحاكمة كاملة في كتابه « وثائق قضايا طه حسين ».
لكن القليل جدا من يعرف أن لطه حسين كتابا هاما حول بن خلدون، وهو ثاني مؤلف له بعد رسالته حول المعري، وقد كتبه عام 1917 وباللغة الفرنسية، وهو عبارة عن رسالة لنيل شهادة الدكتوراة من جامعة السربون تحت إشراف أستاذه الفرنسي كازانوفا، ولم يترجم هذا الكتاب إلى العربية إلا في عام 1966 على يد المؤرخ المصري عبد الله عنان، وذلك بطلب من طه حسين حسب توضيح عنان، لكن لم يهتم به كثير من المتابعينن فهو قليل الطبع، فهل لأن طه حسين تخلى عن الأفكار الواردة في كتابه هذا؟، فهل يرى البعض انه ضعيف المستوى، وهو ما نستبعده تماما، ولو أن الكتاب مترجم من الفرنسية من طرف عنان، مما أفقده ذلك الأسلوب الأدبي واللغوي الرائع والجذاب لطه حسين؟، فهل أهمل الكتاب بسبب النظرة المشرقية لبن خلدون المتهم بأنه شعوبيا يكره العرب لأنه أنتقدهم كثيرا، وهو الأمر الذي تناوله طه حسين في كتابه هذا؟.

يتميز كتاب طه حسين عن بن خلدون بنقد هذا الأخير في الكثير من آرائه، ولعل ذلك يدخل في إشكالية البحث الذي هو عنوان الكتاب « فلسفة ابن خلدون الإجتماعية-تحليل ونقد-« ، فهو يرفض بعض ما ذهب إليه بن خلدون من خلال مقدمته، وهي وضع قوانين تجعل المؤرخ يلتزم بها لفهم سير الأحداث التاريخية وتفسيرها، ويرى طه حسين أن بن خلدون يؤمن بالحتمية التاريخية، خاصة عندما يقول بأنه بإمكان المؤرخ معرفة حركة التاريخ في المستقبل بحكم هذا القانون الذي سيضعه، ونحن نعلم أن كتاب طه حسين ظهر بالفرنسية في فترة عرفت فيه فلسفة التاريخ إهتماما كبير، وذلك بوضع قوانين سير الحركة التاريخية التي يبدو أن طه حسين يرفضها، ومن أبرز النظريات التي كانت سائدة آنذاك في فلسفة التاريح نجد نظرية هيغل المفسرة لحركة التارخ بالتناقضات الفكرية (الأطروحة ونقيض الأطروجة) التي سيقلبها ماركس، وقال عنها أنه جعلها تسير على قدميها بعد ما جعلها هيغل تسير على رأسها، فاستبدلها بالصراع الطبقي والعامل الإقتصادي كمحرك للتاريخ، وليس الأفكار كما يقول هيغل التي يعتبرها ماركس أنها مجرد نتاج لتطور قوى الإنتاج بصفتها بنية تحتية التي تغير الأفكار والذهنيات وشكل الدولة وغيرها بصفتها بنية فوقية، لكن لم يذكر طه حسين في كتابه عن بن خلدون وفلسفة التاريخ لا هيغل ولا ماركس رغم حديثه المستفيض عن الحتمية التاريخية وحركيته، ومن الطبيعي أن لايتحدث عن نظريات شبنغلر ولا « نظرية التحدي والإستجابة » لأرنولد توينبي لأنها جاءت بعد 1917 تاريخ كتابة طه حسين لكتابه، لكن يشير بقوة إلى كل من فيكو وسبنسر اللذان وضعا بذور فلسفة التاريخ، وهو ما يدل أن طه حسين ألتهم آنذاك الفكر والآداب الأوروبية، وهو طالب في السوربون .

وجه طه حسين إنتقادات عدة لبن خلدون، فمنها مثلا قول بن خلدون بضرورة مراعاة المنطق في الأحداث التاريخية، فيلومه لأنه لم يطبق نظريته هذه عند سرده الكثير منها، فيقول كيف لبن خلدون مثلا أن يقول في مقدمته إستحالة تامة لتعريب اليمنيين لشمال أفريقيا ومجيئهم إليها كما يدعي البعض على عكس الجزيرة العربية نظرا للبعد الشاسع للمسافة بين اليمن وشمال أفريقيا، لكن لن يتوان بن خلدون فيما بعد بمناقضة نفسه بالإشارة إلى الأصل اليمني للبربر أو الأمازيغ أو سكان شمال أفريقيا التي لازال يرددها الكثير رغم عدم منطقيتها، ويدحضها طه حسين تماما آنذاك، كما يؤاخذ بن خلدون على عدم إلمامه بالتاريخ الروماني والأغريقي، وبما كتبه مفكرون أغريق كبار كأفلاطون وأرسطو، مما جعل بن خلدون يعتقد انه مخترع علم العمران جاهلا بأن هؤلاء قد سبقوه إلى ذلك، وطبعا يجب أن نضع في أذهاننا أن طه حسين شديد التأثُر بالفكر الأوروبي، خاصة اليوناني منه، وقد نشر كتابا عن فلاسفتهم بعنوان « قادة الفكر » معتبرا اياهم بأنهم قادته فعلا، كما دحض مقولة أن بن خلدون منشيء علم الإجتماع، فهم يرى غير ذلك، بل انشأ فقط جزءا بسيطا من هذا العلم منتقدا حتى الأوروبيين ذاتهم الذين قالوا بذلك عن بن خلدون
تميز كتاب طه حسين عن بن خلدون بمقاراناته بين الكثير من آرائه بآراء وطروحات مفكرين أوربيين كبار ، خاصة في المجال السياسي، ومنهم بالأخص أرسطو ومونتسكيو وروسو، وحتى ميكيافيللي، فسبق بذلك عبدالله العروي الذي له مقالة شهيرة يقارن فيها بين بن خلدون وميكيافيللي، كما أستغرب طه حسين مدى التوافق التام تقريبا بين ماقاله الفرنسي كارنو وماقاله بن خلدون حول تطور الدولة من النشوء حتى السقوط وعبورها بثلاث أجيال هم: المؤسسون الذين يعو التضحيات المقدمة عند بنائها ثم خلفائهم المحافظون على ذلك، ليأتي جيل ثالث يجهل ذلك، فتنهار الدولة بسبب عدة عوامل يعددها بن خلدون في نظريته السياسية، ونشير أن المفكر الجزائري مالك بن نبي نقل نفس فكرة بن خلدون حول نشأة وتطور الدولة ثم إنهيارها ليطبقها على مراحل الحضارة مركزا على العامل الديني في نشأة الحضارات آخذا ذلك من بن خلدون الذي أعتبر العامل الديني والعصبية القبلية عاملان رئيسيان في نشأة الدول، لكن طه حسين يؤاخذ بن خلدون تعميمه ذلك، ففي نظره حاول تعميم ظاهرة لاحظها في العالم الإسلامي، لأنه يجهل الكثير عن تاريخ العوالم الأخرى، خاصة الأوروبية، ومنها التاريخ الروماني والأغريقي، لكن فلنسجل أن الفصل السادس من كتاب طه حسين عن بن خلدون ممتع ومفيد جدا حول النظرية السياسية لبن خلدون مقارنا أياها بمفكرين سياسيين كبار.
لايمكن لنا التطرق للكتاب كله في هذه المقالة البسيطة التي أردنا بها فقط لفت الإنتباه إلى هذا الكتاب بسبب الإهمال الذي طاله من المتابعين بما فيهم الذين كتبوا ووضعوا دراسات عن طه حسين، إضافة إلى رغبتنا في التذكير بهذا المثقف التنويري الذي تحتاج منطقتنا إلى أمثالهم اليوم.

رابح لونيسي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.