صراع العملات بين الصين وأمريكا خاصة والبلدان الصاعدة عموما هو أخطر القضايا التي ينبغي الحسم فيها

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 26 mai 2020 - 8:22
صراع العملات بين الصين وأمريكا خاصة والبلدان الصاعدة عموما هو أخطر القضايا التي ينبغي الحسم فيها

يذكر القراء والطلبة أنني منذ إندلاع الحرب التجارية بين الصين وأمريكا وتوالي التصريحات المتبادلة بين إدارة “ترامب” والحكومة الصينية، قد قلت أن العلاقة بين الصين وأمريكا يمكن تشبيهها بعلاقة “التوأم السيامي” وأن تشابك المصالح يجعل من أي تصعيد بينهما غير وارد، وحتى إن تحقق فإن أثاره السلبية تعم الطرفين معا، وأن الرهان على الصين للتخلص من الهيمنة الأمريكية هورهان خاسر، وأن جهود التحرر من الهيمنة الأمريكية وكسر شوكة أمريكا لن تكون على يد الصينيين، وإنما ستكون على يد المسلمين..

يذكر القراء والطلبة أنني منذ إندلاع الحرب التجارية بين الصين وأمريكا وتوالي التصريحات المتبادلة بين إدارة “ترامب” والحكومة الصينية، قد قلت أن العلاقة بين الصين وأمريكا يمكن تشبيهها بعلاقة “التوأم السيامي” وأن تشابك المصالح يجعل من أي تصعيد بينهما غير وارد، وحتى إن تحقق فإن أثاره السلبية تعم الطرفين معا، وأن الرهان على الصين للتخلص من الهيمنة الأمريكية هورهان خاسر، وأن جهود التحرر من الهيمنة الأمريكية وكسر شوكة أمريكا لن تكون على يد الصينيين، وإنما ستكون على يد المسلمين، وقد إتهمني البعض بمجانبة المنطق العلمي وخلط العلم بالدين، والواقع أن العلم يؤكد ويدعم أن البديل الاقتصادي والسياسي لن يكون إلا بالعودة إلى مجموعة من المسلمات الاقتصادية والسياسية، وهذه المسلمات تضمنها القرأن الكريم وشرحتها السنة النبوية الشريفة وفصلها الفقه الإسلامي، فبالعودة إلى هذه المصادر الإسلامية نجد أن هناك شرحا وافيا لعدد من المأسي والاختلالات البنيوية التي يعيشها المسلمون لأنهم تخلوا عن النموذج الرباني، وإنساقوا كغيرهم لإقتباس النموذج التنموي الغربي، وكل البشرية اليوم تعاني من تبعات هذا النموذج الخاطئ والمتوحش، والذي يقود الانسانية إلى المجهول ويعمق من معاناة ملايير البشر على حساب إثراء القلة ..
وهذه المقدمة ليست دفاعا عن موقف، وإنما هي تمهيد لما سيعالجه هذا المقال وتأكيد للأطروحة التي نؤمن بها، فأس المشكل بنظرنا هو الهيمنة الأمريكية على مقدرات العالم عبر إحتكارها لطبع الدولار وتحديد قيمته، وربط مختلف العملات بالدولار هو تجني على حقوق ملايير البشر، وجعل أقواتهم وممتلكاتهم في خدمة المصلحة الأمريكية والجشع الأمريكي، فرفع الفائدة على الدولار أوخفضها، وخفض قيمة الدولار أورفعها قد تعرض بلدانا لخسائر مالية فادحة ويترتب عنها متتالية أزمات يصعب حصر تأثيراتها..لذلك نلاحظ أن عند بروز أي أزمة دولية يتجدد الحديث عن العملات وإرتباطها بالدولار الأمريكي، والحديث عن الدولار يقود حتما إلى الحديث عن السياسات النقدية التي تتبناها الولايات المتحدة وكيف أن أمريكا تشن “حرب عملات ” على خصومها بصورة مباشرة أوغير مباشرة…فالحرب القائمة بين الصين وأمريكا على خلفية تفشي وباء “كورونا” غايته تحويل أنظار العالم عن القضية المركزية التي تستنزف ثروات ومقدرات الشعوب، والصين بنظرنا متضررة من هيمنة الدولار إلا أنها لا تمثل البديل، والسبب أن الصين يصعب فصلها عن أمريكا إقتصاديا، فهي تتبنى ذات النهج الرأسمالي ولا تملك بديلا، أما سياسيا فهي تتبنى حكم مركزي شديد الرقابة ينسجم مع الخصوصية الجغرافية والثقافية والديموغرافية للصين، أما تعميمه خارج الصين فذلك أمر غير وارد في المدى المنظور..
وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على الصراع بين الصين وأمريكا، عبر تحليل الحرب القائمة بين “اليوان الصيني” و”الدولار الأمريكي”، وهي حرب أشد خطورة من الحروب بالأسلحة، إنها حرب بلا دماء لكن ضحاياها أكثر من ضحايا الحروب التقليدية، وعليه سنحاول توضيح ماهية حرب العملات، وتوضيح وجهة نظر كل من الصين وأمريكا..على أننا سنخصص مقالا منفصلا للبدائل ..
أولا – تعريف حرب العملات
لقد تعددت الأراء والتعاريف حول مفهوم صراع العملات، وذلك تبعا لأبعاد العملية، لكن تبقى موحدة من حیث المغزى أوالهدف ولعل أشهر هذه التعاريف هوتعريف “ويليام ليكین” الذي يرى أنها: “عملية تجاوز المحددات التنافسية الكلاسيكية الجزئية والتأثیر على مؤشرات التوازن الخارجي لغرض زيادة الفرص التسويقية داخليا وخارجيا”، ويمكن تعريف حرب العملات على أنها إعتماد الدول العظمى على قوتها الإقتصادية لتقليص قوة تنافسية الدول الأخرى، وتقليص حجم ثرواتها عن طريق إستخدام السياسة النقدية، والتدخل في أسواق تبادل العملات، كشكل من الحروب الإقتصادية الباردة، عبر إنتهاج سياسات تعتمد على خفض قيمة العملة المحلية، من أجل دعم القطاعات الإقتصادية الرئيسية، لا سيما قطاع التصدیر مما يؤدي إلى الإضرار بمصالح الشركاء التجاريین..
كما يمكن تعريف حرب العملات أيضا : “على أنها سياسة التخفيض التنافسي وهوموقف یتبلور بین الدول العالمية، بحیث تتنافس هذه الدول ضد بعضها البعض لتحقيق سعر صرف منخفض نسبيا للعملة الخاصة بالدولة .. وبالتالي فحرب العملات هي حرب ینشئها مجموعة من ” المتلاعبین بالعملة “
ثانيا- الحرب الباردة بين اليوان والدولار
أهم قطبین في حرب العملات الدولية الحالية هما الولايات المتحدة والصین، فهما أهم محركین لهذه الحرب التجارية، وخاصة بعد المستجدات الأخیرة من خلال نجاح تدويل “الیوان الصیني ” وإعتماده رسميا كعملة إحتياطي عالمي من قبل صندوق النقد الدولي في عام 2016بنسبة %10.92من مجمل عملات الإحتياط الخمسة حاليا، هذا الإعتراف الدولي بالیوان جاء تتويجا لصعود الصيني الاقتصادي والسياسي، وهوالأمر الذي ينمي المخاوف الأمريكية بزوال هيمنة الدولار، فالصين تبعا لمختلف التوقعات قادمة لقيادة الإقتصاد العالمي والإندماج فيه مرة أخرى بحلول عام 2030..
وتعتبر قضية العملة الصینية یوان Yuan أهم القضايا الشائكة المتعلقة بالتجارة بین الولايات المتحدة والصین. وتنتقد واشنطن محافظة الصین على قيمة غیر حقيقية لعملتها تجعلها %40أقل من قيمتها الحقيقية في حالة تركها لقوى السوق، ولهذا السبب تنخفض أسعار المنتجات الصینية في السوق الأمريكي وترتفع أسعار المنتجات الأمريكية في الصین كما یؤدي لوجود هذا العجز الكبیر في میزان التجارة بین الدولتین، وترى واشنطن أن من شأن سياسة الصین بخصوص الیوان أن تؤثر سلبا على قدرة الولايات المتحدة التنافسية..
وقيام الرئيس الأمركي “ترامب” بفرض رسوم تعريفية بنسبة % 27.5 على المنتجات الصینية، هونتاج للجدل الدائر بين البلدين حول قيمة العملة الصينية، وقد قامت الصین قبل فرض الرسوم التعريفية بزيادة قيمة عملتها بنسبة % 2.1 وبدلا من ربطها فقط بالدولار تم ربط العملة الصینية بسلة عملات دولية، وما زال موضوع قيمة العملة الصینية يمثل أحد المشكلات الأساسية بین الولايات المتحدة والصین.
ثالثا-السبب الحقيقي للحرب الباردة بين أمريكا والصين حماية عرش الدولار:
وفقا للتصور الأمريكي فإن حجم التجارة والعجز التجاري مع الصين له صلة بتلاعب الصين بالعملة، ومع تضخم حجم التبادل التجاري بین الدولتین وتحقيق أمريكا عجزا تجاريا مع الصين، وإكتساح الصادرات الصينية للسوق الأمريكي، إذ صدرت الصين لأمريكا عام 2019 صادرات تجاوزت قيمتها أزيد من 500 بلیون دولار، أي ما يقرب من 100 ضعف حجم التجارة بین الدولتین عام 1979..فالولايات المتحدة وجهة مفضلة للمنتجات الصینية منذ تبني سياسة الاصلاح والانفتاح عام 1979، وفي نفس الوقت تشتري الصین المزيد من المنتجات الأمريكية، وترتفع الصادرات الأمريكية للصین بمعدل نسبته 21.5سنويا منذ2001 ..
غير أن الولايات المتحدة الأمريكية توجه أصابع الإتهام للصین، وتحملها مسؤولية العجز التجاري، وتعمد إلى ممارسة ضغوط على الصين لرفع قيمة عملتها الیوان، لكن الحجة الأمريكية ليست صحيحة تماما، بدليل أن الصین أقدمت على رفع قيمة عملتها في الفترة بین 2005و2008بنسبة %20، ومع ذلك فإن العجز التجاري لدى الولايات المتحدة زاد في الارتفاع، فقد كان قبل الرفع حوالي 201مليار دولار ليصبح أثناء الرفع 266 مليار دولار، أي أنه زاد ولم ینقص كما كانت تتوقع الولايات المتحدة .
لكن ما ينبغي التنبه إلية أن هجوم أمريكا على الصين وإتهامها بالتلاعب بالعملة، وفيما بعد إتهامها بنشر فيروس كورونا الغاية منه دفع الصين إلى القبول باستمرار هيمنة الدولار، أما العجز التجاري فهوحق أريد به باطل، لأن سياسة الصين التجارية تضر بها على المدى الطويل، وقد بينت أزمة كورونا أن بعض إختيارات الصين كانت خاطئة، ومن ذلك إستمرارها في دعم الدولار عبر الاستثمار الكثيف في سندات الدين الأمريكي، حماية للصادرات الصينية وضمانا للنموالاقتصادي الصيني..
فمستوى العجز التجاري الكبیر لصالح الصین لا يمثل تهدیدا لأمريكا أوغيرها من البلدان الغنية التي تستطيع إحلال المنتج الصيني بمنتج محلي بسهولة شديدة، وقد سبق لنا أن أكدنا أن إعتماد الناتج القومي الصیني بنسبة %80على الصادرات يمثل تحذیرا للصین التي یجب أن تنمي بقية قطاعات إقتصادها، وأن تركیز الصین بهذه النسبة الكبیرة على التصدیر يعني فشلها في تنمية قاعدة استهلاكية محلية كبیرة توازي حجم نموها التجاري، وهذا بدوره يعرض الصین لآثار سلبية كبیرة في حالة تعرض إقتصاد الدول التي تمثل سوقا بالنسبة لها لأي إضطرابات إقتصادية مفاجئة، وهوما رأيناه مع تفشي الوباء وغلق الحدود ورأيناه أيضا خلال الازمة المالية العالمية لعام 2008 والأزمة الاسيوية لعام 1997 عندما تم التلاعب بعملات النمور الاسيوية وتفقير هذه البلدان وفرملة صعودها..
لذلك، فإن صراع العملات بين الصين وأمريكا خاصة والبلدان الصاعدة عموما هوأخطر القضايا التي ينبغي الحسم فيها، لأن أثار صراع العملات وهيمنة الدولار الأمريكي له نتائج إقتصادية مدمرة على دول العالم، ومن ذلك، تدمیر إقتصاديات دول لحساب دول أخرى أي لحساب الولايات المتحدة، ففي عملية إقدام أمريكا على خفض قيمة الدولار الأخیرة خسرت دول العالم مليارات الدولارات بسبب إنخفاض قيمة الاحتياطي من الدولار وخاصة الصین وبلدان الخليج، كما أن الرفع من قيمة الدولار يقود بالتبعية إلى إرتفاع سعر البترول والمواد الخام، وبالتالي التأثیر على قيمة الصناعات في الدول التي لا تنتج البترول، وهذا یؤدي أيضا إلى إرتفاع تكالیف المنتجات الغذائية وغيرها من المنتجات الأساسية…
بنظرنا، الأزمة شائكة والصين عاجزة لوحدها على إسقاط الدولار من عرشه، لأنها بدورها مكبلة بقيود العولمة الاقتصادية ومصالحها متشابكة مع أمريكا، وإنفصالها عن أمريكا أوإعلانها العداء للمصالح الأمريكية يعني التضحية بالمصالح الصينية، ولعل المثال البسيط والأقرب، تبخر نحوتريليوني دولار استثمرتها الصين في سندات الدين الأمريكي.. فالخروج من الحلقة الجهنمية ليس بيد الصين، أوغيرها من البلدان المعتمدة ذات النهج الاقتصادي الرأسمالي المتوحش.. فالخروج من هذه الحلقة يحتاج إلى دولة مبدئية، ونرى أن الدولة التي تتبنى القيم الإسلامية في الاقتصاد والحكم والنقود وتداول القيمة وتوزيع عوائد التنمية والثروات، هي القادرة على خلق البديل التنموي والحضاري القادر على كسر شوكة طغيان الرأسمالية والدولار، وما يمثلانه من آلية دولية لنهب وتفقير غالبية شعوب الأرض على حساب إغناء القلة..وهو ما سنحاول تناوله في مقال موالي إن شاء الله .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون…

د. طارق ليساوي – إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.