سيدي الكمسري.. الآن دفعتُ تذكرتي

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 29 octobre 2019 - 9:51
سيدي الكمسري.. الآن دفعتُ تذكرتي

صوت الصافرة يزغرد من بعيد، إنه الرزق يجري على عجَل، وإنه الرزق كلما اقترب تمهل حتى يختبر الصبر والسعي الذي بداخلنا، نتأهب له، ونصارحه بما لدينا من إقبال عليه، وسعي إليه، وشغف به، وتأهب له، فيقترب أكثر، ونقترب أكثر، حتى إذا دوَّت الصافرة مجدداً، التقينا، وقف هو على المحطة بين الذاهبين والعائدين، بين الواصلين والراحلين، بين المستقبلين والمغادرين، ونحن نحن، وهو هو، ثابتين لا نتغير، نحفظه، برقم جراره، بلون عرباته، بمقدار سرعته، بنوع الحديد الذي يأكله، بسائقيه، وكُمسَاريته، من اللطيف فيهم ومن العنيف، من الثقيل ومن الخفيف، مَن يفهمنا فيطأطئ رأسه ملتمساً العذر، ومَن يسلمنا عند أقرب نقطة بوليس.

ويحفظنا بوجوهنا الكلحة وأجسامنا المتعرقة، ونحفظه كله ونكاد نحفظ ركابه، لولا أنهم يتنكرون، نعلم ويعلمون أن لهم جميعاً وجهاً واحداً، وتذكرة واحدة، والتذكرة لا يُدوّن عليها الاسم، فهم أرقام، ونحن أرقام، هم الواحد والاثنان والثلاثة، ونحن الصفر الذي على الشمال دائماً، لكننا في النهاية؟ أرقام.
هم يعرفون ذلك، ونحن نعرف ذلك، لكنهم يتهربون من الحقيقة، حين تلتقي عيوننا فجأة، فنشفق عليهم، هذا ذاهبٌ إلى محطة رمسيس ليقف منتظراً أي رزق، واسمه «أرزقي»، وتلك هاربةٌ من أهلها لأنهم يجبرونها على الزواج من رجلٍ كبير تكرهه، ستنزل ربما بشقةٍ في السيدة زينب، وذاك ذاهبٌ إلى أسوان، لأن عليه ديوناً لن يقوى على سدادها أبداً، سيذهب إلى بلدٍ لا يعرفه أحد فيه، وتلك في طريقها إلى حيثُ لا تدري، لأن أولادها لا يسألون عنها، ولا يجيبون سؤالها، ودور المسنين كثيرة وفي كل مكان. بعضهم يكون في عرباتٍ أنظف من تلك، لهم مقاعد وليسوا واقفين، لهم هموم أقل، لكنهم معنا في القطار ذاته، ففي النهاية كلنا ركاب هذا القطار بطريقةٍ ما، قطار مصر.
اسمي «م.ع»، عمري 23 عاماً، أعمل هنا منذ زمنٍ طويل، الرزق يحب الخفية، وهذا تماماً ما يحدث، لا أخفي الرزق، لكن أتخفَّى أنا حتى أرزَق، كلهم يريدون نِسباً من الرزق الذي قسمه الله لنا، نبيع أي شيء بأي ثمن، ويقبضون هم، وما نحن إلا وسيط بينهم وبين المال، كأنهم يعملون بالوكالة، يتركوننا نعمل، ويقبضون هم، ضعف الذي نربحه، مهما كان ضئيلاً، والحل أن نتخفى، من عربةٍ إلى عربة، ومن محطة إلى محطة.
عملنا له طابع خاص، ثقيل، لكننا نحبه لأن مالناش غيره، مليء بالمخاطر، كأنك تبيع البنزين في جهنم، تبيع السعادة في قطار التعاسة، تبيع الفلّاية والمشط والمشاطة لركابٍ سقطت شعورهم من الهم، تبيع السمسم لركاب يتجرعون السم كل يوم، تبيع نفسك للموت بثمنٍ بخسٍ جنيهات معدودة، ويكون فيك من الزاهدين، يتركك مركوناً في قائمة الانتظار، ويعطيك بسعيك بعض الأمل في الحياة، حتى إذا ابيض وجهك اسودَّ مصيرك، ووجدته يظهر فجأة، وقال: الآن تعالَ.
هَأنَذا وصديق عمري، وصديق رحلتي، يقولون إن بعض الناس محطات، وصديقي هذا -حرفياً- محطات، تعرفنا في المحطة، وكبرنا في المحطة، نمنا في المحطة، وسهرنا في المحطة، ومع الفجر نرفع أيدينا إلى السماء كأننا نتيمم وضوءاً وصلاةً، والله يعلم ما ندعو به، وما نرجوه كل صباح؛ جنيهات كافية لعشاء محترم، وسيجارتين، وكوب شاي، وبارك الله فيما رزق، وأهم من ذلك ألا نقابل وجهاً عبوساً يلهط كل ما رُزقناه.
اليوم، خرجتُ وأنا أشعر بشيء مختلف، المهم، سرنا على بركة الله، ركبنا، وبعنا، الناسُ مع دخول الشتاء يصيرون طيبين أكثر، الشمس والحر والتدافع والعرق والقرف يقل بالتدريج، يبتسمون ونبتسم، نتعشم في وجوههم مع كل ابتسامةٍ نبادر بها، ننادي على البضاعة ونقف قليلاً عند كل واحدٍ منهم، والحقيقة أننا لا ننادي على البضاعة وإنما ننادي في سرنا كل واحدٍ من الركاب، نقول له: أرجوك، اشترِ خليني أنام شبعان! ننادي، نتوقف، ننزل البضاعة، يفاصلون، نرفض، يسكتون، نقبل، يماطلون، فنتنازل، نبيع ونقبض الثمن والربح ضئيل، لكنه رزق، وكلنا على باب الله.

محمد عيد الشاب الذي أُجبر على القفز من قطار متحرك في مصر لأنه لا يملك ثمن التذكرة

المكان: قطار 934، المتوجه من الإسكندرية، وشط إسكندرية يا شط الهوى، إلى الأقصر، والأقصر بلدنا بلد سواح. المكان: قرب طنطا، وشِالله يا سيد يا بدوي. المكان: بالقرب من محطة «دفرة»، وداخل القطار نحن في عربات ولاد الذوات، الـ«VIP»، يعاملنا الناس هنا أفضل من العربات الأخرى، «العشرة جنيه» هنا يرميها الرجل من هؤلاء وهو لا يبكي عليها، من باب الصدقة قبل أن تكون من باب شراء بضاعتنا، ونقبل لطفهم على كل حال، نبيع، ولا أعلم هل سننزل المحطة القادمة قبل أن يصل إلينا «الكمساري»، أم سيباغتنا كالموت، ثم نسترضيه بجزء من رزقنا فيقبل مثل معظمهم، لأن كلنا على الله، أم سيكون سمجاً ويهددنا بتسليمنا للشرطة في المحطة القادمة.
جاء الكمساري، ها هو يقبل من بعيد كأنه قطار داخل القطار، وعلى وجهه غضب ربنا، متوقع ما سيقوله مثل زملائه: عارف إنكم على الله، بس دي تعليمات الوزير، سنعطيه سيجارة ونقول: الله يفتح علينا وعليك، ثم ننزل المحطة القادمة، ولا مِن شاف ولا من دِري، هذا الذي يحدث دائماً، في أسوأ الأحوال، في أغلب الأحوال، والبعض يتركنا مقابل جزء من المكسب، والبعض يتركنا باتفاق بيننا أن ننزل بعد كم محطة، ونكون استرزقنا بقدر معقول، لأن كلنا؟ على باب الله، ويجمعنا قطار واحد.
– فين التذكرة؟
(نظرت إلى صديقي وضحكت، كأننا نحفظ السيناريو).
– أنت عارف يا ريس على الله، هننزل المحطة الجاية خلاص.
– لا، هاتوا تذاكركم دلوقت.
– يا حاج إحنا على الله، خمس دقايق ونوصل لمحطة وننزل، وكان الله بالسر عليم.
– لو مش معاكم التذاكر هاتوا تمنها حالاً.
(نظرت إلى صديقي وعبست، كأن السيناريو مختلف هذه المرة)
– يا فتاح يا عليم! قلنا لك على الله! لو معايا 70 جنيه تمن التذكرة إيه يخليني أشيل البضاعة دي على ضهري! صلّ بينا ع النبي وخلاص هننزل.
– يا التذكرة حالاً يا تنزلوا دلوقت.
– ننزل والقطر ماشي!!
– آه تنزلوا والقطر ماشي!
– طب افتح الباب..هههه
(نظرتُ إلى الركاب وضحكت، كأنني أطلب منهم أن يضحكوا على مسرحية)
– آدي المفتاح.. وآدي الباب، اتفضلوا.
(نظرتُ إلى الركاب وعبست، كأن المسرحية ليست مسرحية)
– استهدى بالله أنت بتهزر يا ريس! 70 جنيه منين يا عم… اسم الكريم إيه بس؟
(نظرتُ إلى الكمساري وضحكت، كأنني أنادي كل ذرة عطف فيه: كفاية إحراج)
– ينادي بعض الركاب: خد خلاص السبعين جنيه منّي أنا أهو..
– مش هاخد من حد 70 جنيه غير منهم همّ.. أنا عارف العيال دي كويس.. قلتوا إيه يا بشوات.. يا تدفعوا يا تنزلوا حالاً..
(نظرتُ إلى الكمساري وعبست، كأنه لا ذرة فيه تعرف العطف)
وكان الأمر لا يتحمل أكثر من ذلك، كانت الأذن لا تتحمل سماع «70 جنيه» أكثر من مرة واحدة، كانت النفس لا تتحمل أن نقابل وجهاً أسود إلى هذ الحد، يذكرنا بالمر الذي نحاول الهروب منه، ويذكرنا بالفقر الذي نغرق فيه، ويحرجنا أمام أمة لا إله إلا الله، وهم ولاد ذوات، ونحن ولاد ناس، وكلنا ولاد بلد، والحُر ما يقبلش المهانة.
أُجبرنا على النزول، وكان بما فيه من مخاطرة أرحم لنا من وجه أشد كآبة قد يركلنا أمام الجميع في المحطة القادمة، بعدما ركلنا هذا الوجه الأسود في مشاعرنا أمام كل الناس، ونسي أننا نشعر ونحس ونتألم ولنا كرامة يجرحها.
وأنا وصديقي.. نظر كل منا إلى الآخر..
– ننزل؟
– أمرنا لله.
وقفز، وقفزت، سمعت صوت سقوطه على جانب السكة مع آهةٍ مقطوعة، ثم لم أسمع إلا صوتي، وصافرة القطار، لكنها كانت أطول من كل مرة.

يوسف الدموكي – كاتب مصري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.