ساحات « المربد » الإلكترونية

مشاهدة
أخر تحديث : mercredi 1 janvier 2020 - 9:45
ساحات « المربد » الإلكترونية

في خانات التعليقات المفتوحة على المواد المنشورة في المواقع الإخبارية الإلكترونية، أجد فيها تسلية وبنفس الوقت هي قراءة « مسحية » لواقع الحال العربي والعقل العربي عموما.

كون الخبر مثلا، كما قرأت قبل قليل في موقع أوروبي ناطق بالعربية، موضوعه عادي جدا وخفيف ومحايد لا سياسة فيه ولا دين ولا جنس، فالمادة تتحدث عن طرق علمية متبعة للنوم السليم بلا قلق حسب دراسات ما.
ما بعد المادة، وفي الأسفل، خانة التعليقات التي تجاوزت المئات والتي بدأت عادية بالتعليق على الموضوع ثم وبعد عدة تعليقات عادية، يضع أحدهم في خانة التعليق دعاية لصفحته على موقع فيسبوك التي تحوي أدعية وقراءات دينية « ولك الأجر والثواب إن قمت بفتح صفحته! »، يرد عليه معلق فورا بالسباب والشتائم، فيرد عليه آخر بشتائم مضادة مستوحيا من اسمه أنه مسيحي « نصراني » كافر يعبد الصليب، وينهي جولة سبابه وشتائمه بالصلاة على النبي وآل البيت، فيرد عليه فورا معلق جديد بملاحظة أن الصلاة على آل البيت ليست واجبة بل بدعة وضلالة، فترد فتاة بأن آل البيت واجب الصلاة عليهم فيرد عليها آخر بوجوب الصلاة والتسليم على عليّ وآله أيضا، لتبدأ موجة ردح جديدة على التعليق الأخير تتهمه بأنه شيعي صفوي مجوسي، وترد بعدها تعليقات من شخص عراقي يشتم فيها السنة وصدام، فتنهال عليه الشتائم من القوميين والسلفيين في تحالف غريب ومدهش، ينتهي التحالف فورا حين يقول أحد السلفيين بأن صدام عليه من الله ما يستحق، فتثور ثائرة « الصداميين » وتبدأ جولة الهجوم على خوارج العصر من السلفيين.

يصبح الشرف مادة دسمة للحديث بينما تتشكل علاقات « افتراضية » بين معلقين ومعلقات

كامنا من بعيد وبترقب، ينتظر « ملحد ما » لحظة الانقضاض، فينقض بتعليق يهين فيه السنة والشيعة والمقدسات في مكة والكوفة ويزدري العالم العربي بلغة ساخرة، فيتحالف الشيعة والسنة على شتمه إلى أن يرد تعليق باسم شخص قبطي يدعو إلى إزالة الاحتلال الإسلامي من مصر، فتبدأ جولة جديدة من الشتائم والتكفير (وكل ما ورد أعلاه فيه بذاءة في الألفاظ تركز على الأمهات والأخوات وأعضائهن التناسلية).
أحدهم باسم حركي يوحي بتنويريته المفترضة وما يعكس أنه مثقف حداثوي، ينتبه لحكاية التعريض بأعضاء الأمهات التناسلية، فيورد تعليقه حول الحكاية بلغة متفذلكة تحتقر الجميع بلا استثناء، فترد عليه فتاة تدعي « النسوية » بقلب حب وتتبعه بتعليق يتحدث عن حرية المرأة في العلاقات الجنسية، فتبدأ جولة جديدة ونوعية من التعليقات يكون فحواها « أترضاه لأختك؟ »، ولا تنتهي بصفات مثل ديوث وآكل لحم الخنزير وطبعا يصبح الشرف مادة دسمة للحديث بينما تتشكل علاقات « افتراضية » بين معلقين ومعلقات توافقوا في الأفكار.. وربما في الهرمونات أيضا.
فتاة عادية جدا، تطرح تعليقا يدعو إلى التهدئة، والعودة إلى الموضوع الأصلي للمادة الصحفية المنشورة، وتستخدم أحاديث ومأثورات إسلامية تنبذ الفتنة والنزاع، فيرد عليها متزمت في الدين منتقدا صورتها بلا حجاب، وأنها غير مؤهلة بسفورها أن تستخدم الحديث والدين في كلامها، فتبدأ حرب جديدة وضروس بلا هوادة.

تبدأ جولة جديدة ونوعية من التعليقات يكون فحواها « أترضاه لأختك؟ »

الأكثر برودا وصفاقة هو ذلك الذي يقتحم ذروة حرب الشتائم بتعليق محتواه أبرد من سطح عطارد، فيعلن عن وصول أول شحنة من مراهم « كذا » المقوية للرغبة الجنسية، مع رابط لصفحة على موقع فيسبوك فيها « كل ما يفيد الأزواج والعرسان ».
ينتهي تعليق المرهم الجنسي، لتعود المعركة من جديد لكن بصيغة جديدة وثنائية استقطاب جديد يبدأه قومي عربي بالحديث عن العرب وأصولهم من قحطان وعدنان، فيرد أمازيغي بتساؤل عن ذنبه التاريخي بهذه السلالات التي اقتحمت جغرافيته وتاريخه، فتبدأ معركة جديدة بين المشرق العربي ومغربه لا تخلو من سخرية واستهزاء وعنصرية وكل ما يخالف أدنى مبادئ حقوق وكرامة الإنسان.
بعد نصف ساعة من التجوال بين كل تلك التعليقات وقلوب الحب والأيدي مرفوعة الإبهام والوجوه الضاحكة والغاضبة والمندهشة أعود إلى المادة الصحفية إياها..
كانت تتحدث عن أساليب صحية لنوم سليم وهادئ وبلا قلق، أليس كذلك؟
كل عام وأنتم بلا قلق..

مالك العثامنة – إعلامي أردني

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.