جزائر الغد… ومشارورات الرئيس تبون ومعانيها

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 16 janvier 2020 - 10:24
جزائر الغد… ومشارورات الرئيس تبون ومعانيها

يعقد “الرئيس الجزائري ” عبد المجيد تبون سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع شخصيات سياسية كانت جزءا من النظام السياسي الجزائري في مرحلة ما بعد الاستقلال. وفي هذا المقال أتحاشى الحديث عن هذه الشخصيات واهميتها واصدار احكام مسبقة عن مواقفها المعلنة وغير المعلنة . ربما ستكشف لنا الايام القادمة فحوى هذه المشاورات واللقاءات .

الى غاية الساعة تفادت الرئاسة الجزائرية الكشف عن اي تفاصيل تتعلق بهذه الاجتماعات, كما تفادت الحديث عن الغرض الحقيقي من ورائها . لكن من الواضح انها تهدف الى الاستماع الى الاقتراحات والتصورات التي من شانها رسم ملامح الجزائر الجديدة . وذلك بناءا على اراء شخصيات لها تجربة في نظام الحكم الجزائري وطريقة ادارة شؤون الدولة. وفي هذا الاطار هناك تصورات متباينة ووجهات نظر مختلفة واراء متطابقة تارة ومتناقضة تارة اخرى وهي تعكس الاختلافات القائمة بين هذه الشخصيات السياسية . فلكل واحد منها وجهة نظر مختلفة حول طبيعة الجزائر التي يتوخاها الشعب الجزائري كبديل عن النظام السابق الذي برز بعد الاستقلال . هذا الحكم الذي تميز اساسا منذ الاستقلال عام 1962 بهمينة المؤسسة العسكرية على ادارته وتسييره بطريقة تشبه الى حد ما عبر “جهاز التحكم عن بعد” او “remotre control “
هذه المبادرة التي يقوم به الرئيس تبون , اعتبرها البعض ايجابية لكونها تفتح قنوات الحوار والتواصل وكأن الاتصالات مع هذه الشخصيات توقفت في مرحلة ما. وهذا انطباع ليس صحيحا على الاطلاق , فمنذ ان بدأت ثورة الشعب الجزائري السلمية والتي اصطلح على تسميتها بالحراك الشعبي السلمي في 22 فبراير من العام الماضي, حاول النظام الجزائري حفاظا على صيرورته وبقائه الى اجراء اتصالات مع نفس الشخصيات واستشارتها , وتكليف بعض منها لتنظيم ندوات او منتديات بحجة معرفة مطالب الحراك الشعبي. لكن سرعان ما غير النظام رأيه ولم يأخذ برأي تلك الشخصيات والمنتديات , بل فرض اجندته التي رسمتها قيادة الاركان العسكرية في عهد الراحل احمد قايد صالح وفرضت على الجزائريين انتخابات رئاسية رغم علمها المسبق بانها لم تكن انتخابات دستورية وتنقصها التزكية الشعبية اللازمة. . الشعارات التي كانت تردد بقوة في كامل انحاء التراب الوطني ” ماكانش انتخابات مع العصابات”. وافرزت تلك اللعبة الانتخابية واقعا سياسيا مماثلا لما سبقه . فتغيرت الوجوه والاسماء لكن النظام بحد ذاته لم يتغير.
طيلة هذه الفترة الاحتجاجية الشعبية المستمرة والرافضة للاملاءات الفوقية لفرض الامر الواقع , تفادى الحراك الشعبي تعيين ممثلين عنه مفسحا المجال لبروز كافة الاراء والتصورات والافكار المتعددة والمتنوعة في مختلف ارجاء الجزائر , وذلك لبلورة تصور واضح لمطالب الشعب قبل الولوج في اي حوار مستقبلي مع النظام.
المظاهرات الشعبية المليونية منذ بداية الحراك خاصة الطلابية منها , افرزت وجوها وشخصيات شبابية متنورة سياسيا وواعية بمطالب التغيير التي يتوخاها الشعب الجزائري في بناء دولة جديدة اساسها العدالة المستقلة وقوامها حكم القانون و تسود فيها الحرية بكل ما تحمله هذه الكلمة في طياتها من حرية الراي والتعبير والفكر والصحافة وحرية المعتقد واحرية ختيار الممثليين في المجالس البرلمانية المحلية والوطنية عبر انتخابات شفافة ونزيهة. الى جانب الشروع التدريجي في بناء دولة مدنية وليست عسكرية .
النظام للاسف الشديد سارع الى اعتقال تلك الوجوه الشبابية التي افرزها الحراك الشعبي وزج بهم في المعتقلات والسجون من دون ارتكاب اي جرائم تذكر. وكان الاجدر بالنظام ان يستغل تلك الكفاءات الواعدة ليفتح معها حوارا مباشرا يكون بداية في الطريق الصحيح والخروج عن المعهود , اي الحوار مع شخصيات سياسية قديمة معروفة لم تكن ابدا معارضة للنظام. و في تصوري الخاص, فان النظام الجزائري ارتكب ومازال للاسف الشديد يرتكب نفس الخطأ بتفادي فتح قنوات الحوار مع الجيل الجزائري الجديد. النظام منطوي على نفسه ويلجأ دائما الى الماضي باستخدام التاريخ و الشعارات الرنانة الجوفاء وغيرها من المبررات التي يلجأ لها عند الازمات ليتفادى الخوض في مرحلة جديدة مع جيل جزائري جديد لا يرغب في العودة الى الماضي القريب , بل هو جيل تواق لبناء جزائر جديدة عصرية منفتحة يرواده الأمل في بناء مستقبل واعد تتبخر فيه رواسب الماضي وطي تلك الصفحة الى الابد. فالذكريات الجميلة والمأساوية تبقى معا ماثلة في ذاكرة الشعوب وتظل محفوظة لن تنسى.
وبناءا على هذه الحقائق الجديدة التي افرزتها مرحلة عام كامل من الحراك الشعبي , يعتقد الكثير من المحللين والمراقبين ان الفرصة مواتية الآن لفتح حوار بناء وحقيقي قبل الشروع في تغيير الدستوربعض بنود الدستور المعمول به حاليا من قبل نفس الاشخاص الذين ساهموا في وضع الدساتير السابقة التي ادخلت الجزائر في ازمات سياسية صعبة . فالثغرات والهفوات الموجودة في الدساتير الجزائرية السابقة فشلت في التعامل مع المستجدات, ووجد النظام نفسه في ورطة حينما تعذر عليه الاستناد الى المواد الدستورية في تجاوز الازمة الراهنة.
وفي نظري فان الدستور الجديد لجزائر الغد يجب ان يساهم في رسمه جيل جديد بتصورات جديدة تتماشى وتطلعات المرحلة القادمة , كما يجب ان يلغي كل الثغرات والهفوات وان يأخذ العبرة والدروس من التجارب السابقة ليضع الدولة الجزائرية المستقبلية على السكة الصحيحة لكي لا ينحرف القطار عن مساره .
الدساتير التي اعتمدتها العديد من دول العالم ونجحت في تطبيقها لا يتم رسمها من قبل مختصين من نفس البلد وحسب بل يعتمد فيها كذلك على وجهات نظر الخبراء والمختصين في القانون الدستوري من دول العالم . فهذه مسألة حساسة تتعلق بمصير أمة , ولا عيب فيها ان يتعلم الجزائريون من تجارب ناجحة في بلدان اخرى في هذا القبيل. ان بناء دولة الحرية والعدالة والتعددية والانفتاح على العالم , يتطلب منا الاطلاع على تجارب الاخرين والاخذ بما هو ايجابي لمصلحة الوطن ومستقبله. فالانطواء على النفس والاعتماد على شخصيات محلية فشلت في السابق في وضع دساتير عملية , لا يمكن باي حال الاعتماد عليها الآن في رسم دستور جديد للبلاد. هذا الاقتراح لا يعد انتقاصا لتجربة هؤلاء المشرعين المختصين او كفاءاتهم في هذا المجال , بل هو محاولة لرسم دستور صحيح يكون صالحا ومفيدا وقادرا على تجاوز اي مشاكل سياسية او دستورية قد تنشب في المستقبل.
الحوار سمة حضارية منصوص عليها في كل المواثيق والاعراف وحتى في ديننا الاسلامي الحنيف هناك دعوات عديدة على اعتماد التشاور والجدل بالتي هي احسن في معالجة امور الدولة والحكم. ولهذا اعتبر فتح قنوات الحوار والتشاور خطوة ايجابية , ويجب تعميمها لتشمل ممثلي الحراك الشعبي الجزائري داخل الوطن وخارجه. لأن الجاليات الجزائرية في الخارج تجاوز عدد افرادها ثمانية 8 ملايين نسمة, وهي نسبة معتبرة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان العدد الاجنمالي لسكان الجزائر حاليا 43 مليون نسمة. الجالية الجزائرية تمتلك كفاءات شبابية متعلمة ومتفوقة في الجامعات والمعاهد العلمية والفكرية وتساهم بشكل فعال وايجابي في خدمة المجتمعات الاجنبية التي تتواجد بها, ولا يمكن الاستمرار في تهميشها وابعادها عن الادلاء بدلوها في مستقبل وطنها الاصلي والوحيد وهو الجزائر.
ومع اقتراب موعه الذكرى الاولى للحراك السلمي الجزائري في 22 فبراير القادم , لا يروادني ادنى شكا في أن هذه الثورة الشعبية السلمية ستستمر , ويتوقع ان يعود الملايين من الجزائريين الى الشوارع وبقوة للاصرار على القطيعة مع النظام البائد , نظام الفساد والعصابات وحكم العكسر. و لنشرع في وضع الاسس الصحيحة لجزائر الغد حيث تسود العدالة والحق ودولة القانون وتسود معها الحرية في كافة مجالات الحياة . كل ذلك يصب في خانة بناء دولة جزائرية جديدة قوية بشعبها ومؤسساتها وبديمقراطية حقيقية في ادارة شؤون الحكم . والله ولي التوفيق.

حسن زيتوني – كاتب واعلامي جزائري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.