جدل الدين والحرية

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 30 août 2019 - 8:46
جدل الدين والحرية

هذا كتاب مهم، بل بالغ الأهمية، أتمنى لو عكف كل المهتمين بمصر وناسها، بل والإنسان عامة، على قراءته واستيعاب مضامينه النبيلة، لأنها تصب فى صالح بناء حياة سعيدة للوطن والمواطنين، فتنتصر للإنسانية، وتخلو من التعصُّب، وترفض الظلم والبؤس والضغينة، وتربط ربطًا موضوعيًا بين قضيتى «الدين» و«الحرية».

الكتاب عنوانه: «قضية التنوير ولاهوت التحرير»، ومؤلفه واحد من أبناء هذا الوطن ومُحبيه الكبار الأب الفيلسوف والمُربّى «وليم سيدهم اليسوعى»، وقد قدّم لطبعته الأولى المفكر الإسلامى المستنير الراحل الأستاذ «جمال البنا»، أمّا قضيته التى يطرحها فهى وليدة «فلسفة الأنوار» التى سادت أوروبا فى القرن التاسع عشر، و«جعلت من العقلانية منهجًا شبه مطلق فى دراسة النص الدينى»، حيث «ظهرت المناهج المختلفة لدراسة النص الدينى المسيحى دراسة نقدية تعتمد على الأنواع الأدبية والظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية التى أسهمت فى إنتاج النص وبقية الظواهر الإنسانية، وامتد تأثيرها حتى الآن بعد أن توالت انتصارات العلم التجريبى».
وهذا الفهم المنفتح للنص الدينى المُقَدَّس وعلاقته بالواقع لم يكن غريبًا بالمطلق عن واقعنا، فقد جرت فى بلادنا محاولات عديدة لمفكرين أجلّاء، من القرن التاسع عشر وحتى الآن، كما يقول المؤلف، «اجتهدت لتُقيم علاقة متوازنة بين الجانب العقلانى وما هو إيمان فى النصوص المُقَدَّسة، فمن محمد عبده إلى على عبدالرازق وطه حسين والعديد من المُفكرين المُجتهدين فى أيامنا».
يُزين صفحات الكتاب مقتطف للأب «أوسكار روميرو» يقول: «الإيمان الذى يكتفى بحضور قُدّاس الأحد، ويقبل الظلم طوال الأسبوع لا يقبل به الرب»، وهى كلمات تدين التنطع باسم التدين الشكلى، فكم نرى حولنا من فساد وانحرافات يَحُض الدين على التصدى لها، تمر مرور الكرام دون أن ينتبه الناس إلى وجوب مجابهتها، وإلى أن «الدين المعاملة»، وأن الإيمان الحق لا يقبل بصلاة تُقام وسط عالم من المظالم والجرائم والمفاسد والتجاوزات، وأن واجب المؤمن الحقيقى مواجهة الخطأ، ودرء الدنايا بكل السُبل التى لا تتعارض مع الدعوة الدينية الصافية للتراحم والتواد والتعارف والمرحمة، وبعيدًا عن العنف والإرهاب باسم الاتباع المزعوم لـ«صحيح الدين» و«ميراث السلف».
ما هو إذن تعريف «لاهوت التحرير»، كما يعرضه الكاتب فى صفحات كتابه القيّم؟ إنه: «تيار يحاول أن يجعل من الإيمان بالله والعلاقة به مصدر قوّة محركة للإنسان أينما كان ودافعًا للبناء»، ولكى يكون «الإيمان» قوّة مُحررة للإنسان يجب أن يتجاوز الوعى الإنسانى محاولات «الخلاص الفردى» بالارتقاء إلى وعى الضرورة: «الخلاص الجماعى».
فمنهج «لاهوت التحرير» يركز جل اهتمامه على تبيان «تضامن الله وخلاصه لكل الناس قاطبة»، خاصة الفقراء منهم، وأن «تحرير الإنسان لا يتم من خلال طقوس مُعيَّنة يقوم بها الفرد» وحسب، «وإنما من خلال ربط هذه الطقوس وهذه المعتقدات بالواقع الذى يعيش فيه عالمنا، وذلك بالتضامن مع أخوتنا فى الإنسانية قبل أن نتحدث عن أخوتنا فى الدين وأخوتنا فى الوطن».
ولذلك، وانطلاقًا من منظور لاهوتى يُغذيه الإيمان بمحبة الله للمظلومين والمضطهدين والمستضعفين فى الأرض، لا يجد «الأب وليم سيدهم اليسوعى» أى غضاضة، أو يرى أى موانع دينية تحول دون أن يُعلن انحيازه الواضح لحق أبناء شعب فلسطين، فـ«عنصرية المتطرفين اليهود اليوم وأتباعهم لن تمر» ولا بد من أن يعترفوا، ويعترف الجميع، بـ«قيامة الشعب الفلسطينى وإعلان دولته واستقلاله واحترام حقوقه الأساسية»، مُذكّرًا أهله ورعاياه بالوجود المادى الصامد لمئات الآلاف من المسيحيين الفلسطينيين، فى فلسطين، وبالدور القيادى الذى لعبوه فى قيادة كفاح شعبهم، ممثلًا فى قياديين مناضلين من نوع «جورج حبش» و«نايف حواتمة» وغيرهما.
عرضنا في الجزء السابق جانبًا من الأفكار الثريّة التي طرحها الأب «وليم سيدهم اليسوعى» في كتابه القيّم المعنون بـ «قضية التنوير ولاهوت التحرير»، الصادر في طبعته الثانية مؤخرًا، وفى هذا العرض نستكمل النظر إلى بعض ما احتواه الكتاب من قضايا وآراء.
يحتل موقف الكنيسة من أحوال ومعضلات المجتمعات الإنسانية موقعًا محوريًا في فكر «لاهوت التحرير»، انطلاقًا من إدراك الجانب الروحي العميق لجوهر مسيحية المسيح «المُخَلِّص»، المنحازة إلى الإنسان، والتي تم «تأميمها» لصالح الاحتكارات الرأسمالية المهيمنة، ليس في أمريكا الجنوبية وحسب، حيث لـ «لاهوت التحرير» أرضية صُلبة، وإنما أيضًا في إفريقيا، وآسيا، فضلًا عن الولايات المتحدة وجميع دول الغرب والعالم.
لقد حوّلت الرأسمالية الاحتكارية الرسالة المسيحية عن مضمونها الأصلي الإنساني التوجُّه، إلى أداة سيطرة وإدامة لتأمين مصالحها الكبرى، حسب «الأب جوتيريز»، أحد المُنظِّرين الكبار لفكر «لاهوت التحرير»، الذي يرى أن «الرسالة المسيحية أصبحت مُجرد عنصر من عناصر الأيديولوجية المُسيطرة». وبأن «الحماية التي تتلقاها الكنيسة من الطبقة الاجتماعية المستفيدة من الوضع القائم، تتلقاها بصفتها مُدافعة عن المجتمع الرأسمالي المُسيطر في أمريكا اللاتينية، وهذا ما يجعل الكنيسة جزءًا من النظام القائم»، ونحن نعرف أن هذا هو الحال القائم فيما يخص «المؤسسة الدينية» في العالم الإسلامي أيضًا.
ومن المهم أن نرى إلى نقد «لاهوت التحرير» للدور الذي لعبته الكنيسة الرسمية في تسويغ الاحتلال الغربي والنهب الإمبريالي لثروات شعوب العالم المقهورة، بل ولاستعباد ناسها على نحو ما حدث في إفريقيا، وهو ما عبَّرَ عنه «جوموا كينياتا» الزعيم الأفريقي الكبير بقولته الشهيرة: «حينما أتى الُمبشرون إلينا، كان الإفريقيون يملكون الأرض والمُبشرون يملكون الكتاب المُقَدَّس. وقد علمونا كيف نصلى بعيونٍ مُغلقة، وحينما فتحنا عيوننا كانوا قد أخذوا الأرض وتركوا لنا الكتاب المُقَدّس».
ولا يكف الأب «وليم سيدهم» عن دق نواقيس التنبيه، ولفت الأنظار إلى خطورة تجاهل رجال الدين للحياة بتفاعلاتها وديناميتاها، وإصرارهم على بقاء الدين أسيرًا للمعبد والكنيسة والجامع، وللرؤية الساكنة، بعيدًا عن فضاء الوجود والحرية الرحب، وهو يطرح في كتابه قضيته المحورية «هل نستطيع أن نُبدع لاهوتا تحرُّريًا إسلاميًا مسيحيًا، بالتعاون مع أصحاب الديانات الأخرى، يتخذ من الروحانية التي تحملها أدياننا ترياقًا ضد الجمود والازدواجية والتعصُّب؟ هل نستطيع أن نجعل من النماذج الرائدة في الرهبانيات المسيحية بروافدها المختلفة، والتصوّف الإسلامي بمدارسه المُتعددة، مُنطلقًا إلى التنمية الاقتصادية والبشرية والحضارية، يربط روحانية الديانتين للوقوف سدًا منيعًا في وجه قانون «اقتصاد السوق»، الذي يُنذر بالتهام الأخضر واليابس من قيمنا الثقافية والحضارية وفى وجه الدعوة للاستهلاك السفيه؟
وأخيرًا، يلفت الأب «وليم» نظرنا إلى حاجة بلادنا إلى فهم ديني منفتح ومشتبك مع قضايا الوطن ومُشكلاته وهمومه، حتى لا نترك مجتمعاتنا نهبًا لقوى التطرّف والعنف والإرهاب تغتال روح الدين السمحة وتحوله إلى قنبلة شديدة الانفجار، لا تُهدد وجودنا وحسب، بل والدين ذاته، ويتساءل طارحًا تساؤلاته على كل المجتمع: «كيف نجعل الديانتين: (الإسلامية والمسيحية)، طاقتين للنور والإبداع والتحرر من الخرافات ومن العقليات المُتَحَجِّرة؟، كيف نمارس التفسير المستنير الذى يدفعنا إلى الأمام، ويشحذ هممنا في الإبداع على كل صعيد، من الاقتصاد إلى السياسة إلى الفن والثقافة».
وتبقى الإشارة إلى أن من أهم محتويات الكتاب تلك التي تتناول بالشرح والتحليل والنقد الموضوعي والتقييم أوضاع وبعض أفكار المصريين المسيحيين، وبالذات من الجماعة الكاثوليكية المصرية، التي يصفها بـ «أقليّة الأقليّة»، مُعرِّفًا أبناءها بأنهم: «وُلدوا في مصر، وتربوا في مدارسها، وترعرعوا على ضفاف نيلها، وشربوا عاداتها وتقاليدها».

أحمد بهاء الدين شعبان

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.