تونس.. الحكومة في براثن الأيديولوجيا

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 28 novembre 2019 - 10:22
تونس.. الحكومة في براثن الأيديولوجيا

تعيش تونس اليوم على وقع الأخبار والتسريبات المتعلقة بتشكيل الحكومة، بعد أن تم الاتفاق على رئيسها، وبعد أن وصل الاستاذ قيس سعيّد إلى رئاسة الجمهورية وتولى الأستاذ راشد الغنوشي رئاسة البرلمان. لكن رغم كل هذا المنجز الكبير، فإنّ تركيبة البرلمان وتوزيع الكتل داخله، وكذلك طبيعة التحالفات المعلنة والسرية، لم تساعد على التوصّل إلى تحقيق اتفاق ولو شكلي أو مبدئي على صيغة الحكومة القادمة.

بناء على ما تقدّم، يمكن القول بأن الفشل في تكوين هيكل حكومي صلب أو متوازن على أقل تقدير؛ سيكون بمثابة إجهاض لكل المسارات والنجاحات الانتخابية التي تحققت مؤخرا. إن تقديم حكومة هشة مفخخة بالترضيات والمحاصصة والتوافقات، وغير مؤسسة على الكفاءة والنزاهة، سيكون مصيرها الفشل الذريع، وستؤدي كما علّق الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى خمس سنوات عجاف، تضاف إلى مسار ثوري متردد وأياد مرتعشة لم تقو على البناء.

نقاط على الخارطة السياسية

وصل الأستاذ قيّس سعيّد إلى رئاسة الجمهورية عبر تتويج هو أشبه بالبيعة منه بالانتخاب، حيث فاز بما يقارب ثلاثة ملايين صوت من أصوات الناخبين، كما نجح عن استحقاق في كسب إجماع شعبي على نزاهة الرجل وكفاءته ونظافة يده. هذا المُنجز يُعدّ في حد ذاته مكسبا كبيرا للمسار الثوري؛ لأن الرجل حظي بما حظي به وهو الواقع خارج سقف الأحزاب والخلفيات الأيديولوجية، بل إن كثيرا من المراقبين يعتبرون وقوعه خارج هذا السقف هو الذي سمح له بتحقق هذه المعجزة الانتخابية. أي أنّ خوض الانتخابات الرئاسية دون مظلة أيديولوجية أو حزبية كان عاملا حاسما وأساسيا في فوز الرجل، وهو المحسوب على التيار الثوري وتبنيه شعار « الشعب يريد ».
فازت حركة النهضة الإسلامية بالعدد الأكبر من مقاعد البرلمان، لكنها لم تحقق النتائج التي حققتها في مناسبات انتخابية سابقة؛ متأثرة في ذلك بالمسار الذي عرفته الثورة التونسية والانتكاسات التي ضربت مختلف التكوينات الحزبية التقليدية. هذا التراجع في عدد المقاعد لن يسمح لها بتكوين تحالفات صلبة داخل المجلس النيابي، خاصة إذا كانت المرتبة الثانية من نصيب الحزب الممثل للدولة العميقة (قلب تونس).
أما بقية المكونات الحزبية فهي تنقسم انقساما كبيرا، وتتباين مواقفها من مسألة التحالف مع حركة النهضة والشروط التي سيُبنى التحالف على أسسها. فقد أظهرت قيادة حزب التيار الديمقراطي تسرّعا كبيرا في التعامل مع نتائج الانتخابات البرلمانية، وتقدمت بمطالب تعجيزية لا تتناسب مع حجمها التمثيلي، خاصة وهي تعرف نزيفا كبيرا على مستوى القواعد بعد مواقف قيادتها الأخيرة من مسائل كثيرة تتعلق بمشاغل المرحلة وهمومها وبهوية البلاد وعقيدتها.
من جهتها، بالغت الحركة القومية ممثلة في حزب حركة الشعب في معاداة التيار الاسلامي، وفي الدفاع عن منظومات الفساد التي يتصدرها الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو المتورط في ملفات فساد كبيرة. يجب أن لا ننسى كذلك أنّ بعض قيادات هذه الحركة كانت جزءا من نظام ابن علي ومن منظومته الاستبدادية، عبر مجموعة المناصب التي منحها لها، محافظا على قناع من العداوة الخطابية معها؛ يحفظ لها ماء وجهها أمام قواعدها، ويسمح لها بالتغني بعذرية سياسية وإرث نضالي كبير. لكن حجم هذا المكوّن السياسي لا يرقى إلى مستوى بقية الأحزاب، وإنما يعيش طفرة انتخابية ناجمة عن تراجع أداء الإسلاميين، وتودد القوميين لمنظومة الدولة العميقة خاصة على المستوى الإعلامي.

أحزاب النظام القديم

لا يمكن تحليليا وضع كل ممثلي النظام القديم في سلّة واحدة، خاصة بعد أن انشطرت مكونات ورثة هذا النظام إلى أكثر من مكوّن. صحيح أن حزب « نداء تونس » الذي كُوّن على عجل قد تبخّر تقريبا، وصحيح أيضا أن حزب رئيس الحكومة قد تراجع هو الآخر، وهما مكونان أساسيان من مكونات المنظومة القديمة بخلفيتها السياسية وتجربتها الطويلة في مفاصل الدولة والحكم.
أما الحزب الدستوري الذي فاز بكتلة برلمانية، فهو الممثل الشرعي لحزب الرئيس المخلوع وللخلايا التابعة له، بل إن التصريحات غير المسؤولة والتصرفات الشائنة التي رافقت الجلسة الأولى للبرلمان الجديد كانت كافية لتصنيف الحزب، وهو الذي ترفض قيادته قراءة الفاتحة على شهداء غزة أو أداء النشيد الرسمي للدولة التونسية.
يمثل حزب « قلب تونس » الذي جاء ثانيا في الانتخابات التشريعية اللاعب الأساسي في المرحلة المقبلة، وهو لا يزال يراهن على التحالف مع حركة النهضة، ولو كلّفه ذلك التضحية بقواعده التي انتخبته على أساس التصدي للحركة الإسلامية. هدف هذا المكون الجديد هو إنقاذ المنظومة القديمة التي صار ممثلا لها، سواء على مستوى المناصب والوزارات أو على المستوى الثقافي باعتباره ممثلا لنمط عيش وتفكير معينين. لكن هذا المكوّن يبقى مهما حاول التنصل من ذلك، محكوما بأجندات خارجية وشبكة من المصالح الإقليمية والدولية التي تتجاوزه، وهو ما يشكل الخطر الأساسي لدوره وأثره في الدولة والمجتمع والمسار الانتقالي برمته.

البدائل الثورية

مثّل الصعود المفاجئ لائتلاف الكرامة أهم حدث خلال الانتخابات الأخيرة، حيث تمكّن من الحصول على كتلة برلمانية تسمح له بأن يكون لاعبا هاما في المشهد السياسي. نجح الائتلاف في رفع سقف الخطاب الحزبي، وتمكّن من إثارة المسكوت عنه في الحياة السياسية التونسية، مثل موقفه من الوكيل الاستعماري الأول بورقيبة، أو موقفه من الاتحاد العام التونسي للشغل برفع شعار ضرورة إخضاعه للمحاسبة المالية والسياسية.
خرج الائتلاف هو الآخر عن السقف الحزبي الأيديولوجي، ولم يخضع لمقولات الواقعية السياسية التي دأبت عليها الهياكل الكلاسيكية، بل اعتمد على مقولات الثورة التي تأسست على محاربة الفساد وتأميم الثروات، وفتح الملفات المسكوت عنها والتأكيد على أن لا أحد فوق المحاسبة والعدالة.
في هذه النقطة يلتقي هذا المكوّن السياسي مع الاتجاه التي تبناه رئيس الجمهورية خلال حملته الانتخابية، وهو ما يسمح بالقول بأن المرجعيات الأيديولوجية الكلاسيكية قد تراجعت لصالح المكوّن الثوري والخطاب الذي يقوم عليه. فرغم كل الاهتزازات التي تعرضت لها الثورة ومسارها الانتقالي، ورغم كل الإحباطات التي منيت بها آمال الجماهير العريضة، إلا أن وهج الثورة لا يزال حاضرا، ومطلبها لا يزال قادرا على إنجاح هذا المشروع وإفشال ذاك.
اليوم تقف الأحزاب الأيديولوجية، مثل الأحزاب القومية واليسارية والليبرالية خاصة، في قلب مأزق وجودي بعد الهزائم الكبيرة التي منيت بها، سواء خلال المسار الانتخابي أو على مستوى التمثيل الشعبي. إن تنكر هذه الأحزاب للمطالب الثورية، وسعيها الظاهر إلى تعطيل تشكيل الحكومة، وضرب المسار الانتقالي بتحالفها مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ثبت تورطه في ملفات فساد ضخمة وقضايا تجسس؛ يؤكد أن البلاد تعيش طورا جديدا من أطوار بنائها السياسي.
هذا البناء الجديد الذي وضعت الانتخابات الأخيرة أولى أسسه ودعاماته؛ سيكون أكثر وضوحا خلال القادم من المواعيد الانتخابية التي ستصفّي كامل المكونات الأيديولوجية الكلاسيكية، وتفتح الباب أمام مكونات أكثر براغماتية وواقعية، وأكثر بعدا عن النظريات والشعارات التي لم تورث غير الخراب والدمار والاستبداد.

محمد هنيد

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.