بين المحنة ورهان تفعيل حقّ حريّة التعبير والمعتقد

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 11 mai 2020 - 9:08
بين المحنة ورهان تفعيل حقّ حريّة التعبير والمعتقد

انفتحت منافذ المحنة القديمة الجديدة لحرية التعبير والمعتقد عندما شاركت  » آمنة الشّرقي » ذات 26 سنة يوم 4 ماي 2020، على صفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي صورة وُصفت بـ »سورة كورونا » تمّ فيها محاكاة شكل الآيات القرآنيّة. ودفعتنا معها دفعا إلى أن ننفذ إلى اختبار لنا نحن المواطنين/ات على مستوى علاقاتنا ببعضنا البعض، فضلا عن اختبار الدّولة ذاتها على مستوى مدنيّتها التي تقتضي منها حمايتنا والمحافظة علينا جميعنا بغض النظر عن اختلاف انتماءاتنا الفكريّة أو الدينيّة أو القوميّة أو المذهبيّة…

الاختبار الأوّل ومحنة المواطنة: نختبر في تدوينة آمنة الشّرقي مستوى قبولنا للآخر فكرا وتمثّلا ونقدا ومدى تواصلنا وتفاعلنا معه مهما كان اختلافه عنّا. فقد يرى البعض في التدوينة أنّها لا تتضمّن إساءة للمقدّسات وأنّها وردت في صيغة محاكاة طريفة وساخرة لأسلوب النص القرآني لا تخلو منها أشهر الآثار الأدبيّة قديما وحديثا. وقد لا يستحسنها البعض الآخر ويكتفي باستغرابه ممّا أتته. وقد يبلغ الأمر بالآخرين إلى اعتبارها « تحريفا للقرآن واستفزازا لمشاعر التونسيين » لا سيما وأنّها صدرت في شهر رمضان، بل ويدفع بهم غضبهم إلى رمي صاحبة التدوينة بكلّ الرذائل والنعوت الذميمة. ولكن حينما يبلغ بهم الأمر إلى تكفيرها وبعث رسائل تهديد وتحريض على قتلها، فذلك ما يتنافى مع مفهوم المواطنة التي تستدعي منّا الاعتراف بأن لكلّ واحد منّا كيانه المستقلّ وقناعاته الخاصّة ومن حقّه أن يعبّر عن آرائه واختياراته الشخصيّة، وما علينا إلاّ القبول بذلك أو التحاور معه في كنف الاحترام والحجّة والبرهان دون التحريض على العنف اللفظي أوالمادي.
الاختبار الثاني، ومحنة مدنيّة الدولة: الدّولة ذاتها بمؤسّساتها وهياكلها تختبر من خلال التدوينة مدنيّتها والفصل السادس من دستورها الذي تمّ إقراره سنة 2014 وينصّ على أن « الدولة راعية للدين، كافلة لحريّة المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينيّة، حامية للمقدّسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي ». ولكن باسم الفصل ذاته قرّر القضاء التونسي يوم الإربعاء 6 ماي 2020 ملاحقة المدوّنة بتهمة  » المسّ بالمقدسات والاعتداء على الأخلاق الحميدة والتحريض على العنف ». وقد تدخّلت الشرطة العدليّة بعد استشارة النيابة العموميّة باستدعائها في 5 ماي. ومثلت بالفعل أمام النيابة العموميّة بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة دون أن تحضر معها محاميتها إيناس الطرابلسي، إذ منعت من مرافقتها في الجلسة ومن حق الدفاع عنها كما استجوبها سبعة من ممثلي النيابة العموميّة، وفي جميع ذلك انتهاك واضح لحقّ المدوّنة في محاكمة عادلة. وستمثل مرّة أخرى أمام الدائرة الجنائية في المحكمة الابتدائية بتونس في 28 ماي.
ويبدو أنّ ما بدر من القضاء التونسي في التعاطي مع قضيّة المدوّنة انطلاقا من التهمة الموجّهة لها ثمّ تدخّل الشرطة العدليّة وطريقة الاستماع والاستجواب يعدّ تنافضا هيكليّا وقانونيا تامّا وعنفا تمارسه الدولة ذاتها ضدّ مواطنيها/ تها. فالدولة ليس من حقّها أن تحاكم الناس بناء على معتقداتهم وآرائهم، وحريّة تعبيرهم وضميرهم. وما قامت به شبيه بمحاكم التفتيش لضمائر الناس، ومؤشر على استعادة سياسة القمع وتكميم الأفواه، في الآن الذي وجب فيه احترام حريّة التعبير والمُعتقد كأساسٍ للدولة المدنيّة والتصدّي لكلّ ما يعيق هذا المسار وينشر مظاهر العنف المعنوي والمادي عبر الآليّات القانونيّة المُتاحة.
ولا نريد أن  » نهرم » من أجل رهان تفعيل « حقّ » حريّة التعبير والمعتقد الذي ظلّ حبرا على ورق الفصل السادس من الدستور أو مفهوما زئبقيّا تتلاعب به أطراف معادية للحريّات العامة والفرديّة وساعية إلى مأسسة الدين وفرض وصايتها على كلام الله وعلى الضمائر التي تتأوّله. وأعتقد أنّ هذا الحقّ الذي لا يوهب وإنّما يكتسب، يقتضي منّا فكرا تحرّريا يهدف إلى إحداث تغيير في العقليّات التي ما تزال ترفض الاعتراف بحقوق الآخر المختلف عن السائد فكرا ومعتقدا، ويستدعي من المجتمع المدني بمنظّماته الحكوميّة وغير الحكوميّة، وشخصياته العامّة الحقوقيّة والأكاديميّة والثقافيّة أن تسعى إلى تفعيل هذا الحقّ بالتنديد بكلّ المحاكمات التي تدين حريات التعبير والمعتقد والضمير، وتتصدّى إلى كلّ ما يجعلنا جميعنا نسخا مطابقة لأصل واحد لا غير..
وتظلّ نافذة تفعيل حقّ حرية التعبير والمعتقد ممّا يكفلها الدستور ولا مجال للمساس بها والتضييق عليها تحت أي ذريعة. فالعقول منحة واعتقالها محنة.. وتكميم أفواهنا نقمة على مواطنتنا ومدنيّة دولتنا.

هاجر منصوري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.