انتخابات تونس سبتمبر 2019 والتصويت العقابي

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 28 septembre 2019 - 4:53
انتخابات تونس سبتمبر 2019 والتصويت العقابي

في أجواء من الديمقراطية انتهى الدور الأول من الانتخابات الرئاسية في تونس بنتائج تصويت عقابي لكل من تولى مسؤولية سياسية وبذلك تراجعت الأحزاب الكبرى لحساب صعود وجوه جديدة في تعبير عن رغبة الشعب في التغيير.
نتائج غير مفاجئة لعدة تنبأ بها سبر الآراء ومنطقية للأسباب التالية:

نبيل القروي نجح في الاقتراب من الطبقة الضعيفة فأحسوا بالاعتراف (la Reconnaissance) ففي حين كان المعتمد يتكبر على خالتي فطيمة ويمنعها حاجبه من الوصول إليه.

كان القروي يسمع لها ويتصل بالوالي ويأخذ منه وعدًا بحل مشكلتها حول سقوط السقف من الأمطار أو في استخراج دفتر ال18علاج، ولا يكتفي بهذا، بل يتابع الموضوع ويصورها فرحة مسرورة بحل مشكلتها البسيطة التي لم يحلها المعتمد وأذلتها الإدارة من أجلها، ولم يسمعها جارها الناشط في حزب كذا أو حزب كذا.

يحدث ذلك أمام أنظار آلاف من خالتي فطيمة ومن شابهها ممن احتقرهم المسؤول وتكبر عليهم السياسي.

فكيف ستقنع خالتي فطيمة أن وليدها كما تطلق عليه متهرب ضريبي وكيف ستقنعها أنك أيها المرشح أفضل منه وأنت الذي يقول تبيع الكلام.

أسلوب القروي في انتخابات 2019 هو ذاته أسلوب الهاشمي الحامدي في 2011، وهو أسلوب الاقتراب والاعتراف بالطبقات المهمشة، غير أن القروي فاقه بخدمات ملموسة وتلفزيون يحقق أكبر نسبة متابعه.

أما قيس سعيد فيدرس كظاهرة لا كشخص ولو أن للشخص بصمته بصوته المميز وملامحه الباردة
ظاهرة المستقلين، وتراجع شعبية الأحزاب على مستوى دولي.

استقطب قيس سعيد بنسبة كبيرة الشباب ونسبة من الذين لم يصوتوا في الانتخابات الفارطة.

نجح في استمالة جزء من الأغلبية الصامتة والشباب الطامح للتغيير الباحث عن البطل الخارق كما يراه في الأفلام، ذاك الذي سيستأمنه على صوته.

وتوفر هذا في قيس سعيد الذي ذاع صيته بأنه رجل مبادئ، وأن رأس ماله 50 دينار و(كابوسان). والشباب بطبيعته يعشق هذه الشخصيات الملهمة الخارجة عن المألوف.

ساعده في رسم هذه الصورة تجاهل الإعلام له وعدم هرسلتهم له فلم يكن من المتوقع أن يكون منافسًا جديًا رغم تقدمه في عمليات سبر الآراء من مارس (آذار) الفارط.

هذه الصورة في أذهان ناخبي قيس سعيد، هي ذات الصورة التي رسمت للرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي في 2011 (رجل مبادئ، يركب في اللواج بش يخلط على اجتماع… إلخ، يرفض تمويل حملته الانتخابية).

أما عن العائلة الدستورية بالإضافة لتراجع شعبيتها في أوساط المجتمع فقد تشرذمت نتيجة الصراع بين الشاهد والزبيدي، صراع انتهى بدعم (السيستم) للزبيدي، وهو رجل نظيف، لكنه عاجز عن الإقناع وفاشل في كل خروج إعلامي، يقول عنه منافسوه إنه سيكون مجرد دمية للوبيات دفعت به، على حساب الشاهد وهو شاب طموح يمثل كما يدعي البعض حزب الإدارة التونسية، وقد تبنى الشاهد الحرب ضد الفساد فيما يرى معارضوه أنها مجرد حرب تصفية حسابات وإخضاع رؤوس الأموال لسلطته.

أما حركة النهضة رغم أن مرشحها يعتبر من أهم المنافسين وأقدرهم إلا أنها قد نالت ما نال غيرها ممن تحمل أعباء الحكم من اهتراء وتراجع شعبية، ولم تعد هي الممثل الأبرز لأحزاب الثورة ولا الجاذبة الأولى لأصحاب الميول الإسلامية فقد ظهر مرشحون افتكوا من رصيدها مثل سيف الدين مخلوف الذي صعد نجمه من خلال برامج ثورية لامست قلوب قاعدة جماهيرية كبيرة ولا تستطيع حركة كالنهضة جربت الحكم وإكراهاته أن تعد به.

كما ساهمت الانتخابات في بروز وجوه سياسية أخرى بأقدار متفاوتة مثل المرايحي والصافي سعيد، وفي انهيار قامات مثل الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي.

تبقى المحصلة أن التجربة الديمقراطية الناشئة بتونس، تجرية فريدة في العام العربي وأفريقيا، وهي ملهمة لشعوب المنطقة الحالم بمناخ من الحريات.

الكاتب: أسامة مخلوف

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.