الوصايا العشر في كيفيات تعامل الداعية مع أحداث تاريخ البشر

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 10 janvier 2020 - 7:29
الوصايا العشر في كيفيات تعامل الداعية مع أحداث تاريخ البشر

‘ إن الذين يقرءون التاريخ ولا يتعلمون منه أناس فقدوا الإحساس بالحياة، وإنهم اختاروا الموت هربًا من محاسبة النفس أو صحوة الضمير والحس’.!! ( أرنولد توينبي).

يرتكز الفكر الدعوي عند الداعية الناجح على ثلاثة مصادر، أولها: القرآن الكريم ، فعليه أن يجعل القرآن الكريم صاحبه الدائم الذي يعايشه تاليًا متدبرًا .. يغترف منه صباحًا ومساءً .. فلا يفتر عنه ولا يشبع منه.. فهو جنته الدانية القطوف يتفيأ أبدًا ظلالها، ويقتطف من ثمارها..أما المصدر الثاني:فهي السنة النبوية الشريفة ، فعليه أن يرتشف من مشكاة النبوة ، وينهل من معين الرسالة ، فبها تتضح له معاني القرآن الكريم ، ويتعمق في مدلولاتها..
أما المصدر الثالث: فهو التاريخ الإنساني العام ، والإسلامي الخاص، على أن تكون السيرة النبوية العطرة هي نقطة إنطلاقته..فعجبًا لأمة لها تاريخ عريق مشرف تخاصمه ولا تستفيد منه، وتعتبره ماضيًا زال وتراثًا باليًا..
يقول شوقي:
اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر … ضل قومٌ ليس يدرون الخبر
الوصايا العشر في التعامل مع أحداث تاريخ البشر:
هناك عشر وصايا نوصي بها الدعاة لكيفية التعامل مع أحداث التاريخ.. لكن قبل ذكرها وبيانها ينبغي التذكير بأن قراءة الكتب التاريخية – كغيرها من العلوم- لابد أن تكون بنية الاستفادة والتغيير ؛ فهذا من أهم ما يقرأ التاريخ من أجله ؛ إذ الأمة الإسلامية اليوم تتطلع إلى الخروج من النفق المظلم الذي وضعت نفسها فيه منذ قرابة ثلاثة قرون ، ولا مخرج لها – بعد التوكل على الله سبحانه – سوى المراجعة الدقيقة لتاريخها ، واستخراج ما فيه من عبر وعظات صالحة لدفع عملية التغيير قدمًا إلى الأمام.
وتاريخ الإسلام مليء بالفوائد الجليلة من عبر وعظات ، وردت في ثنايا أحداثه وفي سير الشخصيات العظيمة ، فإذا قرأ المرء في كتب التاريخ فلتكن نيته الاستفادة من هذه الكنوز ، وتقويم حياته بها ؛ فمن قرأ تاريخ بني أمية وما فيه من مزايا ونقائص ، وما فيه من كرٍّ وفرٍّ، ومَدٍّ وجزر؛ قراءة واعية مركزة، فسيستخرج عبرًا وعِظات، تُفيده في تقويم مسيرته، وكذلك سائر الدول من عباسية ومملوكية وعثمانية… إلخ.
ومن قرأ جهاد الزنكيين والأيوبيين للصليبيين ؛ فكأنما يُطالع أخبار زماننا هذا.؟ ومن قرأ تفاصيل أعمال بني عثمان في البلقان وسائر دول أوروبا الشرقية ؛ فسيجد فيها من الأحداث المشابهة بأحداث زماننا قدرًا وافرًا .. وهكذا لو قرأ قارئ سير الرجال العظماء، الذين امتلأت بأعمالهم بطون الكتب ؛ فسيتأثر بها كثيرًا، فهم ما بين عابد وزاهد وفارسٍ وعالم وغني شاكر، وفقير صابر، في جملة من الأعمال المسطورة والأقوال المنقولة التي يهذب بها قارئ التاريخ نفسه، ويزكي بها عمله، ويحسن بها منطقه. لذلك فإن القراءة في كتب التاريخ تعود على الفرد والمجتمع بأحسن العوائد وأجمل الآثار، فمن قرأ التاريخ هذه القراءة استفاد تلك الاستفادة.. ونقدم – بإيجاز – عشرة وصايا في كيفية تعامل الداعية مع الأحداث التاريخية وهي:
الوصية الأولى:إن التاريخ الإسلامي هو التطبيق العملي لمبادئ الإسلام وهديه وشرائعه وأي مساس به والتزوير في سرده والتدليس في روايته هو تزوير للإسلام عقيدة وشريعة، وهذا ما لا يسكت عنه مسلم غيور على دينه شفيق على أمته.
الوصية الثانية : إن صناع الأحداث التاريخية منذ عصر بني أمية إلى سقوط الخلافة ليسو معصومين من الخطأ بل هم بشر ، منهم البر والفاجر والمصيب والمخطئ..ومسالكهم قد تضل وترشد ، ولا تؤخذ الأسوة الحسنة إلا من سيرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.
الوصية الثالثة: يعتمد الداعية على أصح الروايات من أوثق المصادر التاريخية..فلا يأتي في حديثه إلا برواية متفق عليها عند جمهرة المؤرخين الأوائل، ولا يعتمد إلى انتقاء الروايات التي تخدم فكره.
الوصية الرابعة: لا ينفي الداعية أي رواية صحيحية ليرد شبهة عن صحابي..فالتاريخ عنده كما هو لا كما يجب أن يكون ، لأن وجود أخطاء متنوعة حتى في مرحلة القدوة هي من لوازم الطبيعة البشرية ، ولا يمكن أن يتم الاقتداء والتعامل مع كل النوازل إذا نظرنا إلى مجتمع الصحابة على أنه النموذج الأمثل المعصوم..و التاريخ ليس مصدرًا للتشريع لأنه عمل الحاكمين لتنفيذ تعاليم الإسلام ، وهذا العمل قد يكون خطأ وقد يكون صوابًا..وكما أن الفقه الإسلامي ليس معصوم لأنه عمل العقل الإسلامي في استنباط الأحكام من أدلتها – وفيه الخطأ والصواب – فكذلك التاريخ الإسلامي.
الوصية الخامسة: يجب على الداعية أثناء حديثه بأن لا يستطرد في ذكر تفاصيل الأحداث التاريخية وتفريعاتها ..لأن مثل هذه التفاصيل ليس لها أهمية في فهم الحدث أو أسبابه أو نتائجه.. ناهيك عن أنها تشتت ذهن المستمع ومن الأفضل أن يعلق على الحدث التاريخي دون الدخول في وصف الجزئيات ، شريطة أن يتسم بالإحاطة الواعية بالأحداث وحسن الاقتباس منها بما يمكن من أن يأخذ العبرة والعظة.
الوصية السادسة: لا يحاول الداعية أثناء حديثه بأن يوسع نطاق مصادره التاريخية أو إغنائها، وأنما يكتفي بالعدد المحد منها فلا يزيد عن ثلاثة ، و من الأفضل بأن لا يسعى إلى عقد مقارنة بين الروايات التي يستشهد ، ولكن من الأجمل بأن يعمد إلى التعليق والتعقيب..فالداعية لا يكتب تاريخًا أو يمحص رواية بقدر ما سعيه إلى تفسير الحوادث وفق منهج القرآن، وعرضها على النموذج النبوي والراشدي.
الوصية السابعة: إذا كان النص التاريخي طويلاً ، فيجوز للداعية أن لا يعتمد على النص حرفيًا، فيكتفي باستقراءه ، و استخلاص الخطوط العريضة للحدث فيعرضه مركزًا موجزًا بأسلوب متميز.. لينقل المستمع إلى مناخ الحدث ، بأسلوب سهل يكون أقرب إلى قلب المستمع ويتأثر به.
الوصية الثامنة: أن يقوم الداعية بالربط بين المقدمات ، والنتائج في مجرى الوقائع التاريخية ، فحركة التاريخ لا تمضي عبثًا وعلى غير هدى ، وإنما تحكمها سنن ونواميس وقوانين ترتب المصائر على اجتماع حشد الوقائع والأحداث ..فليس ثمة عشوائية في مجرى التحقق التاريخي ، إنما هنالك النهائيات التي تترتب بالحق والقسطاس على بداياتها القاصية والدانية ، ويكون الجزاء دائمًا من جنس العمل ، فلا تطيش السهام ، وليس التاريخ مسرحًا عبثيًا يقوم اللامعقول بدور البطولة فيه.
الوصية التاسعة: عند دراسة الداعية للتاريخ يقوم بربط ماض الأمة بحاضرها ، فعندما يتحدث عن الفتوح الإسلامية فمن الأجمل أن يعقد مقارنة بينها وبين الحروب العالمية في العصر الحديث، على أن يكون اسلوب المقارنة منسجمًا ، و متناسقًا ، و لا يخلوا من جمال الديباجة وروعة الأداء.
الوصية العاشرة: لا يتعامل الداعية مع الأحداث ببرود المؤرخ أو الباحث الذي يجرد نفسه من عواطفها ، بل عليه أن ينفذ إلى ما وراء الحدث ، ويسكن الأحداث، ثم يقدم المادة التاريخية بدقة فيها تحقيق المؤرخ ، وحماسة الداعية ، فيفسر من الأحداث التاريخية ما يخدم رسالته ، ويحببها إلى الناس ، ويظهر وجهها المشرق الجذاب ، وعليه أن يرفض المواقف التي لا تتوافق مع عظمة الإسلام ، وسمو مبادئه ، وعدالة أحكامه ، وجلالة أهدافه ..على أن تكون مرجعية الداعية في ذلك كتاب الله جل في علاه ، والسنة النبوية الصحيحة ، فهما الأصلان اللذان يجب عليه أن يرجع إليهما ، ويعول عليهما.
خلاصة القول : إذا تعامل الداعاة مع أحداث التاريخ الإسلامي بفهم وتدبر.. فهذا يعني أنهم – بإذن الله – قد فقهوا قوانين بناء الأمم وانهيارها..أما إذا كان الدعاة لا يقرأون التاريح و يحسنون التلاعب بالمشاعر والعواطف، فإن ابناء الأمة يظل يتلهى بالأماني التي يحركها هؤلاء الدعاة، حتى إذا جابهتهم التحديات لم يفقهوا ما يصنعون، وآل أمرهم إلى الفشل، وأحلوا قومهم دار البوار.

د.عبدالوهاب القرش – باحث في العلوم الإسلامية

المراجع:

  • سالم أحمد محل:المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب، كتاب الأمة، ط1، قطر:1997م.
  • عماد الدين خليل:المنظور التاريخي في فكر سيد قطب،دار القلم،ط1، دمشق:1994م.
  • عمر عبيد حسنة:فقه الدعوة ملامح وآفاق،سلسلة كتاب الأمة، ط1، قطر:1988م.
  • محمد الغزالي: جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج،دار الكتب الجزائرية، الجزائر،(د.ت).
  • محمد الغزالي:مع الله..دراسات في الدعوة والدعاة، مطبعة حسان،ط4، القاهرة:1976م.
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.