الوحدة والإهمال… مشاكل زوجية تتفاقم

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 1 juin 2020 - 10:18
الوحدة والإهمال… مشاكل زوجية تتفاقم

« لم أعد أراه.. إنَّ عمله يأخذ معظم وقته، لقد أصبح البيت بالنسبة له أشبه ما يكون بمحطّة في الطريق، يتوقف فيها ويعود إليها كلما شعر بحاجة إلى الراحة، أو إلى تناول وجبة دسمة تعوّضه عن المجهود الذي بذله في عمله..حتى أطفاله، لقد كادوا ينسون أن لهم أباً.. إنهم لا يرونه إلّا في الإجازات والعطلات الأسبوعية.. فهم يأوون إلى فراشهم في ساعة مبكرة من المساء قبل أن يعود من عمله، وفي الصباح يذهبون إلى مدارسهم، قبل أن يصحو من نومه ».

إنّها صرخة زوجة رجل غائب دائماً.. وما أكثر ما تتردد مثل هذه الصرخة في عالم اليوم، حيث يعيش الناس في سباق مع الزمن، وفي سباق بعضهم مع بعض.
إنَّ الحياة في عصرنا هذا لم تعُد سهلة ميسورة، كما عهدتها الأجيال الماضية، إنّها حياة شاقة لا مكان فيها للقاعدين، فالعاملون وحدهم يفرضون أنفسهم. وزوجات المهنيين الذين يعملون برؤوسهم وأقلامهم أكثر شكوى من غيرهن.
فعمل الطبيب أو المهندس أو المحامي أو الكاتب أو الصحافي أو الأديب، ورجل السياسة والإدارة والأعمال.. عمل كل هؤلاء، وغيرهم كثيرون، لا ينتهي بانتهاء ساعات العمل في مكاتبهم وعياداتهم، فكثيراً ما تمتدّ ساعات عملهم حتى تكاد تملأ اليوم كله وجانباً من الليل أحياناً، بعكس فئة الصنّاع الذين يعملون ثماني ساعات في اليوم أو دون ذلك.
ثمة من تنتهي مهمتهم بانتهاء ساعات عملهم في المصنع أو المعمل الذي يشتغلون فيه، وبذلك يجدون الوقت الذي يستطيعون أن يقضوه مع زوجاتهم وأسرهم، ولو أن هؤلاء أيضاً كثيراً ما يبحثون عن عمل إضافي يضاعفون به دخولهم ليتمكنوا من مواجهة أعباء الحياة التي ارتفعت تكاليفها ارتفاعاً لا يتناسب مع الزيادة في الأجور والدخول في معظم بلدان العالم.

ترى هل أخطأ مثل هذا الزوج؟ وأيهما أكثر أهمية بالنسبة له عمله أم أسرته؟ ومثل هذا الزوج لم يخطئ، وإنما الذي أخطأ هو واضع السؤال بهذه الصورة

ولو كانت الزوجة تعمل وتشارك في تحمل أعباء العيش ومسؤوليات الحياة، لاختلف الحال، فهي بحكم وظيفتها وعملها قد تكون أكثر تقديراً لظروف زوجها.. إن صيحة الزوجة التي تشكو غياب زوجها عن بيته وأسرته، غالبا ما تكون صادرة إذن عن « ربة بيت » غير عاملة، لا شيء آخر يملأ حياتها سوى بيتها وزوجها وأطفالها.
وكل زوجة لكل رجل ناجح في عمله تقضي حياتها كلها تنتظر. تنتظر عودة أطفالها من المدرسة، وتنتظر عودة زوجها من عمله. وتنتظر أوقات فراغه ليدعوها إلى قضاء السهرة في الخارج، وتنتظر العطلة الأسبوعية لتقوم معه بزيارات للأقارب والأصدقاء، أو الخروج في رحلات بعيداً عن روتين الحياة اليومية. وتنتظر أخيراً الإجازات السنوية.
ولكن ما أكثر تلك المرات التي يضطر فيها الزوج إلى إلغاء إجازته بسبب ضغط العمل، وما أكثر ما جلست تنتظر عودة زوجها من مكتبه، ويطول انتظارها بدون جدوى، فتجلس في صمت مستغرقة في تفكير عميق في هذه الوحدة التي تعيشها، ثم لا يخرجها من صمتها وتفكيرها سوى جرس الهاتف وهو يدق، فترفع السماعة، فإذا به صوت زوجها الغائب يعتذر لأن عمله لم يسمح له بالعودة إلى البيت في الموعد.
ترى هل أخطأ مثل هذا الزوج؟ وأيهما أكثر أهمية بالنسبة له عمله أم أسرته؟ ومثل هذا الزوج لم يخطئ، وإنما الذي أخطأ هو واضع السؤال بهذه الصورة. فالمفاضلة هنا غير واردة وبالرغم من هذا فالسؤال وارد، وهو يتردد يومياً على شفاه الكثير من الزوجات.
يقول الباحثون الاجتماعيون في محاولة للإجابة على هذا التساؤل، إنه أياً كانت مهنة الزوج، سواء أكان مهندساً أم طبيباً، كاتباً أم محامياً، رجل أعمال أم رجل سياسة، فإن كل وقته وكل طاقته وكل قدرته نجدها موجهة إلى عمله.. فلا بد له أن يحرص على بلوغ النجاح في هذا العمل، وعلى التقدم والاستمرار فيه. وفي الطريق إلى ارتقاء سلّم النجاح. هذا السلم الطويل الذي لا سبيل إلى بلوغ قمته، إلّا بالعمل المستمر والدراسة والكفاح، نجد أن اهتمام الرجل كله يكون مركزاً في عمله.
فهل يعني هذا أنه لم يعد يهتم ببيته وأسرته؟ إنَّ العكس هو الصحيح، فالاهتمام بالعمل والرزق هو انعكاس طبيعي لاهتمام الرجل الشديد بأسرته. فما كفاحه هذا، إلّا وسيلة لتأمين حياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقاً لهؤلاء الذين يعيلهم. ولو أنه أهمل في عمله، لكان هذا أكبر دليل على أنه لم يعد يهتم بأسرته.
ولذلك نجد الرجل يعتذر أحياناً عن حضور الحفل الذي أقامته زوجته بمناسبة عيد ميلاد طفلهما الأول، لأنه مضطر لحضور الاجتماع المفاجئ الذي دعا إليه مدير الشركة التي يعمل بها، أو نجده يعتذر عن تناول العشاء مع زوجته وأطفاله لأنه سيجري عملية جراحية عاجلة لمريض ساءت حالته، أو يعتذر عن اصطحاب زوجته لقضاء السهرة في الخارج، كما وعدها، لأنه مضطر إلى مراجعة أصول كتابه الجديد قبل إرساله إلى المطبعة. حتى عطلة نهاية الأسبوع، قد يقضيها كلها جالساً أمام مكتبه في البيت، لإعداد القضية التي سيترافع فيها أمام المحاكم في اليوم التالي، وتضيق الزوجة ذرعاً بعمل زوجها الذي يحرمها من التمتّع بملذات الحياة، وخاصة إذا رأت صديقاتها وجاراتها يخرجن مع أزواجهن للنزهة، ويدعونها لمرافقتهم، فتعتذر هي الأخرى لأن زوجها مشغول بعمله. وقد يتطور شعور مثل هذه الزوجة في بعض الأحيان إلى الغيرة من هذا العمل الذي يستأثر بكل وقت زوجها واهتمامه!
كيف السبيل إذن للقضاء على شكوى أمثال هذه الزوجة وغيرها؟
المشكلة الأساسية في حياة الزوجة التي تشكو الوحدة والإهمال، هي أنّها تعيش في عالم بعيد تماماً عن عالم زوجها، ولا سبيل إلى القضاء على هذا الشعور الذي ينغّص عليها حياتها، ويهدّد زواجها بالفشل إلّا الخروج من عالمها الضيّق المحدود، داخل جدران بيتها، والاقتراب من هذا العالم الآخر الذي يعيشه زوجها ويقضي فيه عمره كله! وبعد هذا كلّه ليس من المعقول أن نلقي بالمسؤولية كلّها على عاتق الزوجة وحدها، فالزوج أيضاً مسؤول عمّا يُصيب زوجته من شعور بالوحدة والإهمال.

عبد الكريم البليخ

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.