النهضة التونسية تُسقط حكومتها

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 13 janvier 2020 - 8:47
النهضة التونسية تُسقط حكومتها

سقطت حكومة حركة النهضة في تونس، يوم الجمعة، ولم تحصل على ثقة مجلس نواب الشعب. حازت موافقة 74 نائباً من جملة 217 (عدد نواب المجلس). وهذا أول سقوط لحكومة أمام مجلس النواب منذ سنة 2011، وكان منتظراً بالنظر إلى تتالي الأخطاء السياسية التي ارتكبتها « النهضة » منذ إعلان خوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية ..

سقطت حكومة حركة النهضة في تونس، يوم الجمعة، ولم تحصل على ثقة مجلس نواب الشعب. حازت موافقة 74 نائباً من جملة 217 (عدد نواب المجلس). وهذا أول سقوط لحكومة أمام مجلس النواب منذ سنة 2011، وكان منتظراً بالنظر إلى تتالي الأخطاء السياسية التي ارتكبتها « النهضة » منذ إعلان خوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية الذي تزامن مع رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي، أحد كبار رجال السياسة في تونس. وقد كانت قراءة « النهضة » الواقع السياسي مضللة، وأدت إلى ارتكاب أكثر هذه الأخطاء. فمع انشقاقات حزب نداء تونس، ورحيل آخر الكبار، توهّمت الحركة أن الساحة خلت لها، وأنها الحاكم بأمرها، ولكن يبدو أن واقع الحال غير ما توهّمت. خاضت الانتخابات بخطابٍ طهوريٍّ ثوري، مستندة إلى مرجعية الثورة ومفرداتها، علها تمحو صورة الحزب البراغماتي الذي مدّ يده إلى النظام القديم، وصالح رموز الدكتاتورية والفساد، ولكن ذلك لم يكن مُجدياً، والأرجح أنه ضاعف أسباب الإخفاق.
تصدّرت « النهضة » نتائج الانتخابات، ولكن بنسب ضعيفة، إذ لم تحصل إلا على 52 مقعداً، ووجدت بجوارها قوىً سياسيةً لم تكن تحسب لها أدنى حساب، حزبي قلب تونس والحر الدستوري وحركة الشعب والتيار الديمقراطي، وكلها نشأت بعد الثورة، ولكنها تحوّلت، في سياقاتٍ مختلفة، إلى بدائل سياسية تنافس « النهضة »، على الرغم من اختلال الموارد البشرية والمادية. ولكن ما إن بدأت مساعيها في تشكيل الحكومة، حتى غفلت عن تلك بمحاكمة الفاسدين الذين لم تتورّع عن تسميتهم، واختارت حزب قلب تونس رمزاً لهم. وبعد أيام قليلة، فتحت محادثات معه، من أجل نيل دعمه، حتى تتولى رئاسة مجلس النواب، في شخص الشيخ راشد الغنوشي.

كانت قراءة « النهضة » الواقع السياسي مضللة، وأدت إلى ارتكاب الكثير من الأخطاء

ساهم القانون الانتخابي الذي اعتُمد في هذا التشتت السياسي، إضافة إلى الانشقاقات الحزبية والصراعات الداخلية التي أدّت إلى هذه الفسيفساء التي طبعت مجلس النواب في نسخته الحالية، ولكن « النهضة » تتحمّل المسؤولية كاملة في سقوط حكومتها المقترحة. وهي التي حرصت على أن تضم حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب إليها، حتى تشكل بهما تحالفاً انتخابياً، على الرغم من أنهما أعلنا، والنتائج لم تصدر رسمياً، أنهما لن يتحالفا معها، لأسباب عديدة يقدمانها، تتعلق بسلوك الحركة السياسي مند الثورة، وتقرّبهما لأحزاب المنظومة القديمة، ولاختياراتها السياسية والاجتماعية ثانياً. ومع ذلك، استماتت « النهضة » في إشراك الحزبين، وشجعت مختلف الوسطاء من أجل إقناعهما، ولم تؤدّ تلك الجهود إلى نتائج ملموسة، ما اضطر رئيس الحكومة المكلف إلى تعليق كل تلك المحاولات، باعتبارها مضيعة للوقت، واضطر إلى المرور إلى المهلة الثانية والأخيرة التي يمنحها له الدستور، فذهب إلى تشكيل حكومة من الكفاءات المستقلة، أثارت ردود أفعال تشكّك في استقلالية بعض أعضائها وكفاءتهم.
وكان اختيار الحبيب الجملي، السياسي المغمور الذي لم يخض إلا تجربة قصيرة مع حكومة الترويكا، واختفى بعدها عن الأنظار قد ساهم في تعقيد الحل. قد تكون له كفاءات وخصال، لكن أخطاء التواصل، وحتى القرارات والمنهج الذي اتبع، فضلاً عن قدرات الفريق الذي أحاطه خلال الشهرين الماضيين، كانت عوامل مهمة في ما آلت إليه الأمور.
لن يكون مهماً معرفة ردود حركة النهضة على هذه الشكوك، وقد سقطت الحكومة، ولكن يبدو أن السبب الذي لا تريد أن تعترف به النهضة بقطع النظر عن شراسة خصومها، هو في اعتقادي نوع المقاربة التي اعتمدتها النهضة في خوض اللعبة السياسية بعد خروجها من تجربة الترويكا. يبدو أن الدرس الذي حرصت على التزامه، هو التخلص من « خطاب الثورة  » والتحلي ببراغماتية أحياناً منفرة دفعتها الى التصالح مع رموزها، وهو ما فاقم الريب تجاهها، بما فيها قواعدها، وحتى قياداتها التي بدأت تظهر للعلن اختلافاتهم الداخلية الحادّة.

لم يعد التونسيون يخشون طول فترة انتقالهم الديمقراطي، بل تعثّره، ما يجعل احتمالات النكوص واردة

تسقط حكومة الحبيب الجملي الذي عينته « النهضة »، حسب ما يقتضي الدستور، والبلاد مثقلة بأزماتها الاقتصادية الحادّة، وهي على حافّة الإفلاس، ما دفع المنظمات الدولية المانحة إلى فرض شروطٍ مخلّة بقواعد السيادة أحياناً. أما حدودها الجنوبية، فهي ملتهبة، والحرب تقرع طبولها في جارتها وشقيقتها ليبيا.
ستذهب البلاد إلى ما ينص عليه الدستور، إذ سيتولى رئيس الجمهورية تعيين شخصية وطنية يقدّرها الأكفياء من أجل تشكيل حكومةٍ، سمى بعضهم هذه الفرضية حكومة الرئيس، في ظل مخاوف من تغوّل رئاسي بحكم النّسبة المرتفعة من التوصية التي حازتها، وبالنظر أيضاً إلى سلوك الرئيس السياسي الذي أبدى فيه إلى الآن تحفظاً تجاه الدستور ونظام الاقتراع والنظام السياسي برمته. وقد ينجح الرئيس من خلال من سيختاره من الشخصيات الوطنية، في تشكيل الحكومة، لكن البلاد ستظل تحتاج إلى استقرار حكومي في سياق إقليمي يغلي مرجله، وخصوصاً أن الرجل يعتقد أن حصوله على تفويض شعبي، يجيز له نسف كل الثوابت التي خلنا أنها شكلت ثقافة التونسيين المشتركة: علوية الدستور، هندسة الدولة الوطنية…
لم يعد التونسيون يخشون طول فترة انتقالهم الديمقراطي، بل تعثّره، ما يجعل احتمالات النكوص واردة.

المهدي مبروك – وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي، ألف كتباً، ونشر مقالات بالعربية والفرنسية. ناشط سياسي ونقابي وحقوقي. كان عضواً في الهيئة العليا لتحقيق أَهداف الثورة والعدالة الانتقالية والانتقال الديموقراطي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.