الموقف المصري من ثورة السودان وأثره على سد النهضة

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 19 septembre 2019 - 8:06
الموقف المصري من ثورة السودان وأثره على سد النهضة

فجأة؛ تم الإعلان مؤخرا عن تعثر المفاوضات بين مصر وأثيوبيا حول سد النهضة واشتراطات تعبئة خزان السد بالمياة وجدولها الزمني، وهو ما تواكب مع تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التي تفوح منها رائحة المرارة في مؤتمر الشباب الذي عقد أخيرا، حين حاول تحميل الهزيمة في الملف وإلقاء تبعتها على ثورة 25 يناير! ليتساءل المتابع عن سبب التحول في الموقف المصري وتبدل قناعاته تجاه ملف المياه، بعد أن ظل الخطاب المصري في دولة ما بعد 30 يونيو شديد التفاؤل والثقة في تصديره للصورة الوردية للملف!

توافق سوداني / أثيوبي هاديء

خاصة وأن التصريحات الإثيوبية المتشددة أخيرا والموقف السوداني المتأني تشي بتشكل تحالف مصالح هاديء بين السودان وأثيوبيا، أو على الأقل صمت سوداني دبلوماسي ذكي في إدارة العلاقة بين مصر وإثيوبيا من أجل مصالحه، في حين دعت مصر سفراء الاتحاد الأوربي لإطلاعهم على الموقف فيما يعد خطوة دبلوماسية تصعيدية استثنائية للغاية، ويُطرح السؤال ما المتغير الذي طرأ ليتبدل الموقف الأثيوبي فجأة من مصر، بتصريحات متشددة وصمت سوداني مدروس في السياق نفسه!

الدور المصري مقارنة بالإثيوبي في ثورة السودان

أعتقد أن الإدارة المصرية لملف الثورة السودانية هى التي تقف لحد كبير وراء الإجابة وسرعة تعقد الملف! أو بشكل أكثر دقة تقف وراء حدة الخطاب الإثيوبي وصمت الجانب السوادني في الوقت نفسه، فلقد تحركت مصر في ملف الثورة السودانية دون قراءة استشرافية فاحصة للموقف، واندفعت بكل ثقلها في اتجاه النظام القديم والرهان السعودي/ الإماراتي عليه، وأوكلت الملف فيما يبدو لمجموعات تكتيكية تفتقد للخبرة الاستراتيجية والفهم لأبعاد الموقف وسيناريوهاته البديلة، فأهمل هؤلاء قراءة الموقف الحقيقي بأن البنية الاجتماعية للثورة في السودان والجزائر تختلف عن الملفين المصري والتونسي، وأن تكتيك إدارة التناقضات وخلقها لا يمكن نقله تماما للحالة السودانية.

أثيوبيا تكتسب أرضية ثورية في السودان

في حين كان الجانب الإثيوبي مدعوما بالاتحاد الإفريقي والخبرة الإفريقية -التي يبدو أصبحت مجهولة للمصريين- في إدارة الثورات والنزاعات المسلحة، كان الجانب الإثيوبي أكثر وعيا في وساطته بين النظام القديم والمطالب الثورية ليكسب أرضية مشتركة عند الجانبين، في حين خسرت مصر -أو كادت- كل شيء بدعمها للقمع الرسمي للثورة. ولم تكد الأمور تستقر في النظام السوداني الجديد وفق الوساطة الإثيوبية/ الإفريقية، حتى كشرت إثيوبيا عن أنيابها لمصر مستندة على الأرضية الصلبة التي لن ينسها ثوار السودان وممثليهم في نظام الحكم الجديد لهم، وبالطبع النظام الجديد لا يدين لمصر/ النظام شيئا، ولكنه يدين لمصر/ الدولة/ التاريخ بكل المحبة والتقدير، حتى انه في كل البرامج الحوارية كان ممثلوا الثورة السودانية يمسكون عن ذكر اسم « مصر » حين يعددون القوى الداعمة للنظام القديم هناك، ويتحرجون حبا لها وأملا فيها..

أزمة المراهنة على دولة ما بعد الاستقلال في السودان

أخطأت مصر حين دعمت النظام القديم ودولة ما بعد الاستقلال بقلبها المركزي العسكري في السودان، مثلما تفعل تماما في ليبيا، والآن نحن ندفع الثمن.. ثورة يناير كسرت بالفعل أسطورة « الدولة حارسة التناقضات » التي أسس لها السادات وازدهرت في عهد مبارك، الدولة التي مهمتها رعاية التناقضات المحلية والإقليمية، وفي مقابل ذلك يحرص النظام الدولي على مصالحها ونفخ الروح فيها، وكان البديل هو دولة النقاء الثوري واستعادة الذات التي يتطلع إليها الآخرون، والنموذج الإنساني الجديد الذي يحلم الجميع بمطاولته.

تفكك معادلة التناقضات

مشكلة الإدارة السياسية الحالية أنها تغمض عينيها بشدة عن الواقع المرير؛ معادلة التناقضات كانت ترتبط بسيطرتها على فرق الدين السياسي وامتدادها في فلسطين، وهذه المعادلة تفككت بتفكك التحالف بين دولة ما بعد الاستقلال في مصر بقلبها العسكري وبين الإخوان بانتهاء دور نظام الإخوان/ مرسي بالنسبة لهم، والكرة الآن في الملعب الإيراني/ التركي بامتياز في إدارة الفصائل المؤثرة بمواجهة إسرائيل وأمريكا.
على الإدارة السياسية أن تتحلى ببعض الواقعية وتتعامل مع أفق المتاح السياسي، « الدولة حارسة التناقضات » التي كان يضمن بقاءها النظام الدولي انتهت بلا رجعة مع كل المتغيرات بالمنطقة والذاتية بمصر، والإصرار على استمرار دولة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري وبتفاصيلها نفسها يكاد يكون مستحيلا.

الطريق إلى التصالح مع يناير/ استعادة المكانة

ليس أمام مصر سوى البحث عن معادلة وجودية جديدة لها في العالم، لا تخرج عن نظام قيمي جديد يقوم على فكرة استعادة الذات والتحرر الذاتي من أثر تناقضات الماضي، أنظمة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري كانت من أجل التحرر من أثر الاحتلال الأجنبي وسيطرته، لكن ثورات الربيع العربي هى بهدف التحرر الذاتي وتجاوز حالة مورث التراكم التاريخي الخاص بقيم التكيف والقهر واحتكار الحكم وتقييد الحريات وغياب العدالة، ثورات الربيع العربي ليست ثورات ملونة كما يقول دعاة الاستلاب للآخر أو للأيديولوجيا الغربية من الماركسيين أو الليبراليين لتشويهها، بل هى التطور الطبيعي لفكرة الثورة في السياق العربي من حالة التحرر من الأجنبي إلى حالة التحرر الذاتي، وهو ما لا تدركه معظم النخب الأيديولجية والثقافية والأكاديمية التي على ضفاف الماركسيين والليبراليين، لأنهم تشبعوا بالنموذج الغربي بمختلف تمثلاته، وهم جزء من حالة التمرد على التناقضات التي تمارسها الحالة العربية وتخرج عليها..

خياران أمام مصر

مصر تملك خيارين رئيسيين؛ الأول استمرار فلسفة تفكيك أبنية المجتمع الجديدة والقديمة والمزيد من النفوذ الأمني على مؤسسات الدولة، ومحاولة فرض دولة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري حتى اللحظة الأخيرة مع إدارة التناقضات بين اليمين واليسار ما بين الاستقطاب والتشويه.
الخيار الثاني هو السماح للفرز الطبيعي في المجتمع بأن يأخذ مجراه وتتشكل أبنية قيمية جديدة خارج التناقضات القديمة لدولة ما بعد الاستقلال ومعارضتها اليسارية واليمينية، على أمل أن يتمكن هذا الفرز الطبيعي بنخبه الجديدة أن يشكل كتلة جامعة جديدة تلتصق بمستودع هوية الذات المصرية، ويمكن له أن يقدم النموذج القيمي الجديد ويضع آليات الدمج والتسكين المرتبطة بالسلطة في موضع العدل والموضوعية، بما يحقق سرعة بناء نموذج الدولة الجديدة وبناء قوة نفسية ناعمة لمصر جديدة وحقيقية، تقوم على تفعيل مكونات مستودع هويتها التاريخي بطبقاته.

القرار الصعب: إعلاء ما هو وطني

أتمني من ممثلي دولة ما بعد الاستقلال في مصر بمركزها العسكري أن تتفهم الظرف التاريخي الراهن، وأن دورها التاريخي مُقدر تماما في تحقيق الاستقلال لمصر من الاحتلال الأجنبي، لكن استمرار الحياة الآن يتطلب التحول لدولة المؤسسات والفرز الطبيعي والثورة على الذات، بالتخلص من إرث الاستبداد ومنظومة قيم التكيف التاريخية وخلق التناقضات وإدارتها.
أهداف ثورة يناير هى الأمل والمشترك الوحيد المحتمل لبناء اللحمة ثانية بين جدران البيت المصري، واستعادة المكانة التاريخية لمصر في محيطها العربي والإفريقي والعالمي، سوى ذلك سيكون الدرس مريرا والخروج منه أكثر مرارة، لكنها سنن الدنيا والتاريخ.. وسنري إلى أي السنن ستؤول سفينة الحلم المصري وإلى أي الطرق ستسير.

حاتم الجوهرى – الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.