الملك يسود ولا يحكم

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 5 décembre 2019 - 5:53
الملك يسود ولا يحكم

الملك يسود ولا يحكم // Le Roi règne mais ne gouverne pas
عجيب امر ( السياسيين ) ، و اشباه ( المثقفين ) ، والمحسوبين على ( النخبة ) المغاربة . فمنذ ستينات القرن الماضي ، والى اليوم ، وهم يلوّكون ، ويدبّجون هذا المصطلح  » ملك يسود ولا يحكم  » ، دون ادراكهم ، وشعورهم ، بالسقوط في تناقض ، يمنع على سياسي ، او مثقف حقيقي ، او من يعتبر نفسه يمثل ( النخبة ) ، السقوط فيه .

من هنا اتفهم دور النظام السياسي المغربي حين يتعامل مع هؤلاء ، ومع هذا العيّنات ، فهو لا يعطيهم وزنا ، ولا يعير طرق استعمالات ، وتقديم مطالبهم ادنى قيمة ، لأنهم من حيث لا يشعرون ، فانهم بترديدهم لجملة ،  » ملك يسود ولا يحكم  » ، يكونون قد سددوا للنظام خدمة من حيث لا يحتسب …
فكيف لمن يدعي انه (سياسي ) في حين انه يتعيّش من السياسة ، او يوهم الناس بانه ( مثقف ) ، والمثقف قضية ، او انه من ( النخبة ) ، والنخبة تكون ثائرة ، لا يميز بين  » ملك يسود  » ، و  » ملك لا يحكم  » ، وبدون وعي ، يُصيغ مطالب تدعم شرعية النظام ، وتدعم نوع الملكية السائدة ، كمليكة مطلقة ، تستأثر لوحدها بالشأن السياسي ، كما ينص على ذلك الدستور الأخير المعدل ، ونصت من قبل جميع الدساتير التي عرفها المغرب ، منذ اول دستور ممنوح ، حرره شكلا ومضمونا أساتذة الاستعمار ، كالأستاذ موريس دوفيرجيه ، ناهيك عن السلطة الجبرية المفروضة بحد السيف لتعلقها بالغيب ، ولاستمدادها الحكم من الله ، أي من الدين ، لتكميم الافواه المنتقدة ، والمزعجة المطالبة بالديمقراطية ، بتهديدها بالخروج عن الاجماع ، وعن الامة ، وهو ما يشكل دعوة لتكفيرها ..
وبالرجوع الى المطالب السياسية ، التي كان جزء من معارضة الستينات ، والسبعينات ، وحتى اليوم ، يطالبون بها النظام ، ويعتبرونها مدخلا أساسيا للإصلاح السياسي المنتظر، سنجد انهم يجسدون مطلب الملكية البرلمانية ، في ما يسمونه بنظام ملكي  » يسود فيه الملك ولا يحكم  » ، ويستوي هنا تصريحات المهدي بن بركة في التدخلات الحزبية المختلفة ، وتصريحات عبدالرحيم بوعبيد ، ونوبير الاموي ….لخ ، إضافة الى أحزاب فدرالية اليسار الديمقراطي ، من الحزب الاشتراكي الموحد ، الى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي .
فهل حقا ان المطالبة بنظام ملكي  » يسود فيه الملك ولا يحكم  » ، هو مدخل أساسي لنظام الملكية البرلمانية ؟
وهل هناك من توافق ، بين مطلب ملكية  » يسود فيها الملك ولا يحكم  » ، والملكية المطلقة الحالية ، والملكية البرلمانية التي يطالب بها أصحاب  » ملك يسود ولا يحكم  » ؟
أولا ، انّ من يطالب بملكية  » يسود فيها الملك ولا يحكم  » ، معتقدا ان هذا المطلب يجسد المدخل الأساسي لأي اصلاح سياسي للنظام ، يكون بمن يخبط في الطريق خبط عشواء ، دون امتلاكه لمقود يقوده نحو البوصلة الحقيقية للإصلاح السياسي المزعوم .
ان من يردد مطلب  » ملك يسود ولا يحكم  » ، فهومن حيث لا يدري ، او انه يناور ويدري ، يساهم في استمرار ، وتدعيم الملكية المطلقة الحالية ، ومن ثم فهو يعارض من خلال مطالبه هذه ، أية إرادة حقيقية لإصلاح الملكية الحالية ، ومنها اصلاح نظام الدولة ، كي تتحول الى دولة ديمقراطية حقيقية ، لا ان تَتَحَرْبنْ ( حرباء ) في شكل دولة شَبَهُ ديمقراطية .
ان مجرد القول ب  » ملك يسود  » ، هو قول بتركيز ، وتثبيت الملكية المطلقة / الدكتاتورية .
ان القول بكلمة  » يسود  » هو قول بالقوة ، والضبط ، والتحكم ، والاستحواذ ، وهو قول بالاستبداد ، والطغيان ، بدءاً باستبداد ملك ، ومنه استبداد نظام داخل دولة مستبدة ..
ان اصل كلمة يسود مشتق من كلمة سيادة ، وهذه مرادفاتها هي الحكم والسلطان ، والاستئثار بالدولة ، والسلطة ، والشعب ، والثروة ، والجاه ، والنفود .
فكيف لمن يدعو الى هذا النوع من الأنظمة التي يسود فيها الملك ، وهي دعوة الى تفرد شخص بكل السيادة والسلطان ، ان يختلط عليه الفهم ، حين يعتبر ان أي مدخل الى الملكية البرلمانية لا يمكن ان يكون ، الاّ من خلال سيادة الملك .
فهل يجوز الجمع بين نقيضين متباعدين ، من جهة ملك  » يسود  » ، ومن جهة ملكية برلمانية ؟ أي الجمع بين الدكتاتورية ، وبين الديمقراطية في آن ، ولعمري ان هذا الفهم والتأويل لا يمكن ان يوجد ، الاّ في المغرب ، بلد الاستثناءات في كل شيء .
ثم كيف يمكن فهم ، من جهة المطالبة بملكية  » يسود فيها الملك  » ، ومن جهة المطالبة بملكية  » لا يحكم فيها الملك  » ؟
ان القول ب  » ملك لا يحكم  » ، يتعارض مع الاعتراف للملك  » بملك يسود  » ، لان السيادة هي السطوة ، والسلطان ، وهي القوة ، والضبط ، والتحكم في كل شيء ، والاستئثار بكل شيء ..
النظام المغربي حين تُقدّم له المطالب باسم الإصلاحات السياسية ، وبهذا النوع من التناقض الغير مقبول ، في الفهم ، وفي الديباجة ، وفي الشكل ، والمضمون ، من طرف أناس يعتبرون انفسهم ( سياسيين ) ، وهم في الحقيقية عيّاشة باسم السياسة ، او ( مثقفين ) ، وهم اشباه المثقفين ، او ( نخب ) ، واية نخبة هي قضية أساسية ، ينتشي فرحا ، وغبطة ، وسرورا ، بل يغرق في هستيرية من الضحك ، لانّ هؤلاء من حيث لا يشعرون ، او يناورون ، يُسدون خدمة للنظام عندما يدافعون عن الملكية المطلقة / الدكتاتورية ، بتركيزهم على ان يكون دور الملك في النظام السياسي ، هو السيادة ، أي الحكم ، أي الاعتراف للملك ، بانه هو الدولة من خلال امتلاكه السيادة والسلطان ، في النسق السياسي المغربي .
فعندما يكون المخاطب للملك ، او للنظام ، او للدولة ، يفتقر الى المستوى السياسي المطلوب ، ويجهل ابجديات السياسة ، وتجده تائها ، شاردا ، وعاجزا عن تحديد معاني المصطلحات ، واستعمالها في غير محلها ، وفي تعارض غير مقبول ، ك  » ملك يسود  » ، و  » ملك لا يحكم  » …. فالنظام في مثل هذا الوضع ، يترفع ، ويتعالى فوق عرشه على الجميع ، وهو وضع يعطيه حجة ، وقناعة بالحرية في التصرف ، كيفما يحلو له ، وكيفما يريد ، دون اعارة أي اهتمام لمن يرقص رقصة الديك المذبوح .
وبالرجوع الى الخطابات ( السياسية ) الرائجة ، والمتداولة اليوم في الساحة ، والتي تتظاهر بتركيزها على الإصلاح ، ونعني بهم أصحاب الدعوة الى الملكية البرلمانية ، فمن خلال السؤال الذي طرحوه ، واجابوا عنه بشكل مٌبْهم ومُلّبد ،  » أي ملكية نريد  » ؟ يتبين انهم لم يستخلصوا العبرة ، من استحالة المطالبة بنظام ، يجمع في آن متناقضين متعارضين ،  » ملك يسود  » ، و  » ملك لا يحكم  » ، وقناعة منهم بضرورة التمسك بالملكية المطلقة في شكلها الاثوقراطي / الثيوقراطي / الكمبرادوري / البتريمونيالي / الاوليغارشي / البتريركي / القروسطوي / ، وحتى لا يثيروا حفيظة ( قواعدهم ) ، طالبوا بملكية برلمانية ليست كونية ، أي ليست اوربية ، لكنهم طالبوا بملكية برلمانية خالصة ، من خلال بعض الإصلاحات الثانوية التي لا تمس اصل ، وقوة الحكم ، والنظام ، من خلال الاعتراف للملك بالسلطة الاستثنائية الدينية ، التي تمتح الحكم من الله ، أي الاعتراف للملك بسلطة الجبر ، والقوة ، والسيادة الحقيقية والسلطان ، وهي السلطة التي تجعل الملك فوق الدستور الذي هو دستوره .
فكيف يمكن الجمع بين مطلب الدّمقْرطة المحتشمة ، وهذه تتماشى مع  » ملك لا يحكم  » ، وفي نفس الوقت الاعتراف لرئيس الدولة ليس كملك ، بل الاعتراف به ، كأمير للمؤمنين ، وراعي كبير ، وامام للمأمومين ، وهذه تتماشى مع  » ملك يسود  » ؟
فهل المشكل في النظام الملكي المغربي ، كنظام فريد من نوعه في العالم ، يركز في نظام حكمه على التقاليد المرعية ، لرعية الرعية المأمومة ، ام ان العجز ، والمصيبة ، والاشكال ، في مَنْ يسمون انفسهم ب ( السياسيين ) ، عيّاشو السياسة ، وب ( النخبة ) ، النخبة قضية ، وب ( المثقفين ) ، اشباه المثقفين ، الذين يبرعون في التزمير ، وفي التطبيل ، و الغارقين حتى النخاع في تقاليد النظام المرعية ، حتى يستمروا في الإقتات من فضلات موائد النظام ؟

سعيد الوجاني – كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.