المرأة التي دمرها العنف الناعم

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 26 novembre 2019 - 10:13
المرأة التي دمرها العنف الناعم

كثيرا ما كانت محط حسد وغيرة من قبل زميلاتها في المهنة، وحتى قريباتها اللّواتي لا تلتقي بهن إلا في المناسبات العائلية المليئة بمظاهر الزيف والنفاق.. من مجوهرات وفساتين غالية حتى يخال إليك وأنت وسطهن أنك في عالم لا مكان فيه للفقراء، بدل أن تحمد الله على نعمة الصحة والعافية وراحة البال. كانت تشبههن كثيرا في تلك البهرجة الزائفة، لا لأنها مثلهن، بل لأنها لا تريد أن تقف وسطهن موقف شفقة أو تشفي لوضعها الحالي، بعد أن كانت أكثرهن نجاحا وسعادة، وهذا ما سبب لها الشقاء، وزاد من رغبتها في الركض وراء الثناء على شخصها كامرأة محظوظة، ولها عمل مربح، وزوج محب، وعائلة تحتويها بالدعم والمساندة دائما.

لكن خلف الستار البراق لو رفعناه لأبصرنا ما خفي من حقيقة مؤلمة.. هناك فقط تتراءى لنا امرأة أخرى منكمشة على نفسها.. تعيسة جدا، لا تميز بين ليلها ونهارها وهي منحنية على ماكنة الخياطة، تحاول إنهاء الطلبيات في أقرب وقت، كي تجمع ما يكفيها من المال لتسديد مبلغ كراء منزلها الذي يعتقد الجميع أنه ملكها، وأحيانا يضطر حماها أن يكمل تسديد الباقي من جيبه مساعدة منه لزوجة الابن التي كانت أحن عليه من أبناء صلبه.
وعبر زاوية من زوايا حياتها الممقوتة، كانت تخيط الفساتين الغالية لزبوناتها وتستغلها في المناسبات العائلية للزينة، وأحيانا تبدي مودة ومحبة لإحداهن حتى تتمكن من استعارة مجوهراتها والتباهي بها أمام قريباتها اللّواتي اعتقدن أنها اشترتها.. فتزيد غيرتهن حدة، وكلما زادت استمتعت هي لرؤية نظراتهن وهي تلاحقها في كل مكان.. لكن وقت انفرادها بنفسها كانت تذرف دموعها الحارة ألما وحرقة. فلا أحد سيصدق أن ذلك الذهب مجرد اكسسوارات، وأن تلك الفساتين لزبوناتها، وأن ابتسامتها أيضا كانت تمثيلية كاذبة، وأن زوجها المحب مجرد مدمن لا يكفيه راتبه الشهري حتى لشراء تلك المخدرات، ليضطر يوم نفادها إلى أخد مالها والانفاق به.

على الرغم من كثرة وقسوة العنف المباشر والجسدي الواقع على النساء إلا أن العنف الرمزي يبقى من أقسى أنواع العنف لاأن العنف المباشر يبقى مرئيا وملاحظ وتحت المجهر، أما الرمزي فمسكوت عنه

لم يكن يأخده بالعنف أو بالضرب كما اعتدنا أن نسمع في مثل هذه الحالات، بل كان يأخذه بالكلام المعسول، وأحيانا أخرى بالبكاء والندب على حظه الذي جعله متعثرا، منحرفا.. فتضطر شفقة منها عليه وكصمام أمان لوقف معاناته أن تعطيه من مالها، ومن ميزانية الخياطة التي توهم بها زبوناتها أثناء رفعها لثمن الفستان أنها باهظة الثمن، أو تسارع إلى بيع قطع القماش الرفيعة الجودة والتي أوكلت لها زبوناتها مهمة خياطتها، وتغيرها بقطع مماثلة لها رديئة النوعية دون أن يكتشفن التغيير .
ويوم تجد نفسها غير قادرة على تأمين ثمن الحفاظات والحليب لابنتها.. تلجأ إلى أهلها لمساندتها ماديا.. فتمكث بينهم مدة طويلة تحاول فيها الراحة واسترداد الأمان، ثم تعود من جديد إلى نفس دوامة الضياع التي تعيشها رغما عنها، وانصياعها لسلطة الأعراف والتقاليد التي تساهم في اذلالها، ففي نظر المجتمع وعائلتها التي تعلم بمعاناتها.. هي مجرد امرأة خلقت فقط للزواج ولإنجاب الأطفال وخدمة الزوج، والرضى به حتى لو كان مدمنا، لأن العيش مع رجل غير صالح أحسن مليون مرة من مواصلة حياتها تحت اسم « المطلقة ».
سلطة التقاليد تلك شجعت زوجها على أن يتمادى في سيطرته عليها والتصرف في حياتها، بمبرر أنه الوصي عليها والقائم بشؤونها، رغم أنها ضمنيا كانت تعتبر هي الوصية عليه لا هو، حيث دفعها إلى استخراج قرض مالي من البنك، وشراء سيارة ينتقل بها إلى عمله، وأحيانا يعمل بها كسائق أجرة.. والسداد كان يتطلب منها هي لا هو عملا مضنيا وجهدا مضاعفا، في الوقت الذي لابد عليها أن تلتزم بالراحة التامة، وأن تعتني بصحتها وبصحة جنينها الذي أوشكت على انجابه.
نحن نمارس العنف ضد المرأة ولكنها ملفات لا تفتح لأنها حقوق المرأة، والصمت والعادات والتقاليد تقف ضد كل ما هو حق لها.. فمن يرفع الصرخة عاليا؟
بالإضافة إلى ذلك كانت صحتها المتدهورة والنقص الحاد في كرياتها الدموية.. يتطلب منها عملية قيصرية تحت اشراف طبي فائق العناية، وهذا ما يكلفها الكثير من المال أو يضطرها للجوء إلى مستشفى حكومي لا يتوفر على أبسط الضروريات التي لابد أن تجهز لمثل حالتها، مما يعرضها ذلك للخطر، لذلك كان عليها أن تختار بين أن تسدد بالمبلغ الذي دعمها به حماها ثمن كراء المنزل أو أن تدفع مستحقات العملية القيصرية في مستشفى خاص.. لكن للأسف كان الأمر قد حسم من قبل زوجها مقدما، حيث قرر أن يوضع مال والده في كراء البيت كما هو متفق عليه كل عام، رغم أنه يعلم جيدا مدى خطورة وضعها الصحي ومعاناتها منذ الشهر السابع من نزيف، لم يتوقف حتى وهي على سرير العمليات.. إلى أن لفظت أنفاسها تاركة وراءها يتيمين.
هذا هو العنف الرمزي الذي يسلب الضحية كيانها وأساس وجودها، ويفرض سيطرته وهيمنته عليها بطريقة لا مرئية كما يرى العالم السوسيولوجي « بيير بورديو »، وعلى الرغم من كثرة وقسوة العنف المباشر والجسدي الواقع على النساء إلا أن هذا العنف يبقى مرئيا وملاحظ وتحت المجهر، في حين يبقى العنف الرمزي الأقسى لأنه المسكوت عنه والمغيب، مسكوت عنه بتواطؤ السلطة الذكورية، ومغيب لأن آثاره ظاهرة، تحفر عميقا في الروح لتنفجر فجأة، والأكثر قسوة أن العنف بهذه الطريقة صادر عن سلطات بعضها يدّعي الثورية، فمن يحمي المرأة وحقوقها؟
العنف هنا كان عنفا اقتصاديا والذي يعبر عن شكل من أشكال العنف الخفي، ذلك لأن الترتيبات المالية بين الشريكين والمصادر التي يشاركاها أمر خاص وغامض وشخصي.. يجعل الضحية تخسر مالها وما عليها عن رضى وثقة بينما الطرف الآخر يستولي على كل شيء.. ورغم أن الأنظمة موجودة والمحاكم متوفرة، وكل شيء يمكن حفظه، لكننا نحتاج إلى ثقافة استعادة حق المرأة، وأن لا تصنف أنها خارجة عن اطار العائلة وقوانينها الوهمية. نحن نمارس العنف ضد المرأة ولكنها ملفات لا تفتح لأنها حقوق المرأة، والصمت والعادات والتقاليد تقف ضد كل ما هو حق لها.. فمن يرفع الصرخة عاليا؟ وهل تسمع يوما ما قبل كبتها؟

زعير نجود – أستاذة ومدونة

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.