القراءة في زمن الجَّرافات الإلكترونية

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 2 juin 2020 - 8:02
القراءة في زمن الجَّرافات الإلكترونية

متعة ُالقراءة الأولى ،كانت مع الروائية السوريّة كوليت خوري.لا أذكر فيما إذا كانت في الصيف أم في الشتاء .!
لا فرق ، المتعةُ تكون في كل الفصول .!

رواية « أيام معه  » لكوليت خوري » كانت المفتاح الحقيقي إلى دروب القراءة . معها دخلتُ هذه الحديقة الورقية التي تملأ بيتنَا بكل زواياه ،نحرسها من الغبار ، عدوها الأول .!
أذكرُ أبي بتعاليمه الأولى  » اِقْرَؤُوا  » لا أنسى أبداً. ما زلت أراه بنظارته وسيجارته العربية بركنه الخاص في البيت، تحيط به كتب ومراجع اللغة العربية وكنت كلمّا سألته عن معنى كلمة يجيبني ، بغنى ً ومعرفة لغوية عالية . أبي ، لغويّ ومؤلف ٌ له كتبٌ في علوم اللغة العربية ومع ذلك يصرُّ على أن يراجعَ معنى الكلمة التي أسالُ عنها في معجم محيط المحيط .
أحملُ المعجم بأوراقه الصفراء المهترئة الجوانب إليه ، وكنت دائماً أساله ُ عن هذا القاموس ويشرح لي كم يحبه ُ ويحتفظ به لقيمته المعنوية والروحية إذ ورثه عن جدي ،الذي كان أيضاً فقيهاً وشاعرا ً.
ولدت في بيت ٍ يملك ُ من الكتب أكثر مما يملكُ من المال ، حقا إنّها مفارقة عجيبة . كان الأصدقاء يستعيرون الكتب لقراءتها ، البعض يُعيدها والبعض الآخر يتجاهل وكان أبي يغضب ُ عندما لا يُرد ّ الكتاب ، ويقول: » إّنها جواهرنا ،لا نملكُ غيرها ، لا تعيروا كتابا ًدون أن تتأكدوا أن من استعاره سيعيده ُ. »
مفارقات الزمن والذاكرة ، كبرتُ على حب الكتاب. وتعرفت على كبار الكتاب في بيتنا ،
القدماء والجدد منهم وكان أكثر ما يُغريني بهم كارل ماركس ولحيته التي أحبها .!
كارل ماركس غيّر حياتي من مهنة التعليم إلى كليه الحقوق ،حيث تم كتابة تقرير سري بأنني من الشيوعين ، الذي لا أعرف أحداً منهم منهم إلا لحية كارل ماركس .!
الزمن بدورته أخذني بعيد اً عن اهلي وكان عليّ أن أبدأ حياتي بخطوات تختلف تماماً عما كانت عليه ولكن الشئ الوحيد الذي ورثته هو حبُّ القراءة وحبُّ الكتب ، و بطبيعتي كبرتُ على حب الورق الأصفر ، هذا المجهول العابق بسحر الماضي وأصابع الكتاب العشاق ، و وبحكايات ٍ تحمل سحر الحياة والعالم .
كنت وما زلت ُ أتمنى أن يرثَ أولادي ما ورثته من أهلي ، ليس المال ، فلا مال عندي ولكن بعض الكتب التي احتفظت ُبها لسنوات طويلة
ورافقتني إلى أبعد طريق في العالم ، إلى جزر نائية ، كان سعر شحن الكتب يعادل ثمن تذكرة الطائرة .!
في البلاد الجديدة التي اخترتها للحياة، نيوزلندة ، كنت أشعر بسعادة غامرة .قبل أكثر من عشرين عاما كنت أرى ، الجميع يقرأ ، النساء ، الرجال ، الأطفال ، كنت أشعر بصلة القرابة بيني وبينهم مع أني لم أكن أجيدُّ لغتهم ، كنت قد تعلمتُ الفرنسية ولكنني فقدتها بعد أن كنت متفوقة بها خلا ل أيام الدراسة والجامعة ، ولكن اللغة تحتاج إلى علاقة حبٍ بينها وبين صاحبها ، وهكذا انتهت علاقتنا لعدم التواصل وكان علي أن أبدأ مثل طفلٍ صغير ٍفي مراحله الأولى وعليه أن يتعلّم القراءة والكتابة والكلام .!
هكذا بدأت مغامرة التعلّم والقراءة الجديدة في بلاد تملك من المكتبات عدداً لا يُحصى ، بالاضافة إلى المكتبات المتنقلة بين الأحياء ،هذه الفكرة تدهشني تماماً بجماليتها وأهميتها.
في رحلة متنقلة بعربةٍ تجُّر عشرات الكتب للصغار والكبار يتراكض الجميع إليها وكأنها بائع حلوى أو آيس كريم .
جارتي القارئة العظيمة التي لا تتوقف عن القراءة ، تجيد متعة البحث عن ذاتها في الروايات وكانت لا تنسى بأن تأخذ دور البطولة في كل كتابٍ تقرأه لتحكي لي حكايتها ،كنت قد التقطت لها بعض الصور ، وهي تقرأ بنهمٍ وشغفٍ ولكن للأسف ضاعت الصور ، في سرقة تمت في بيتي وذهب معها كل ما أملك إلا الكتب التي ورثتها .
تغيرت الأحوال في زمن الجرافات الإكترونية ، وأصابتنا صعقةُ الموبايل والبلاي سستيشن والآي باد .
في صراع الزمن وتكنولوجيا الجرافات ، يصرخ ابني في وجهي : »
أما زلت امرأة قديمة تحافظين على عقليتك منذ ألف دهر ، لماذ لا تقرأين في النت ، يوجد كتباً رائعة ؟ »
أصرخ في وجهه ، اصمت ْ، أحلم بأن أراك يوما ًتحمل كتاباً في يدك ، فيجيبُ أنني اقرأ الكثير من الكتب هنا في هذا الجهاز الصغير .! أنظرُ إليه بحب ٍ وعتب ، يا الهي كيف لي أن أ قرأكتابا ً منحه ُ كاتبه روحه وحياته عبر هذه الشاشة الصغيرة التي لا تحسُ ولا تدرك ُ ولا تشعر .
إنّها حربٌ الأجيال ، ومع ذلك ما زا ل عندي شغف القراءة من الكتب القديمة وكلمّا رأيت كتابا أصفرَ الوجه ، اقتنيه .
في طريقي ، وأثناء المشي اليومي الذي نصحني به الطيبب بسبب التهاب المفاصل ، أوصاني بالمشي كل يوم لساعة وكنت بدوري أحب المشي والتأمل . الفقراء لا وسيلة لهم للرفاهية سوى التأمل بالطبيعة ويقنعون أنفسهم بأنهم الأغنى ويتوهمون أن الطبيعة هي الرفاهية الحقيقة .
أصرخ في وجه أولادى:
اغلقوا اجهزتكم وانظروا الى السماء و الأرض والأشجار والخريف والشتاء . فترد ُ ابنتي : أمي … أمي عندما أصبح ُ في عمرك سأفعل كل ما تفعليه اليوم .. ـ!
من متعة القراءة إلى رهبة الخوف على كتّابٍ قضوا أعمارهم في الكتابة ، سؤال طالما وقفت عنده طويلا ً،لست وحدي ،ربما العشرات منكم الآن يرددُّ ما أفكر به: إلى أي مصير تذهب هذه الكتب ؟
في طريقي إلى البيت التقي بجارتي التي وضعت كرتونة من الكتب أمام بيتها ، فاستغربت الموضوع وسألتها لمن هذه الكتب وماذا ستفعلين بها ؟ فاجابتني وكأن ثقلاً حل عن ظهرها ، « فرات » إذا كنت ترغبين بها ،خذيها ، نظرت إلى الكتب وبدأت اتصفح العنوانين :
ياإلهي أعمال « باولو كايلو » تُرمى على الرصيف ، ياقراء العالم انتبهوا ، قلت لها مستغربة ً: هل حقا ً سترمي هذه الروايات؟ قالت :نعم وسألتها فيما إذا كانت قد قرأتها فقالت لي :
لا، وأبدت اهتماماً قليلاً بما اخبرتها به عن هذا الكاتب البرازيلي الذي ترجمت أعماله إلى كل لغات ِ العالم ،ادركت تماماً أنني حصلت على جائزة في اليناصيب ، لأنني لا استطيع شراء هذه الكتب بسبب أسعارها المرتفعة
هكذا حصلت على الظاهر  » والخيميائي ، وعلى نهر بيدرا جلست بكيت « . كانت بالنسبة لي فتحاً جديداً للقراءة .ولكن هل يعلم » باولو كايلو  » على أيّ رصيف غريبٍ ومجهول يبكي الخيميائي والظاهر وامرأةٌ عربيةٌ غريبة من بلاد بعيدة قررتْ أن تجدَ له مأوى في بيتها ، وحدها تفهم سَّر هذا البكاء على شواطئ بعيدة وغريبة .!
زمن القراءة ، يموت ، بموت القارئ ، من لا يقرأ من الورق لا أُعوُّل على قراءته ، الزّمنُ البارد ُ، الدموع ،الأفراح ،الأحزان ، الملاحظات المدونة ، هي أنفاسُ الكاتب ، لا يشعر بها إلا هو والقارئ المحبُّ ، تماماً كالفلاح الذي يحدثهُ الصناعي عن لحظة تفتح البذور هو، يشعر كم هو متكلف وجاف بمشاعره وأحاسيسه هذا الصناعيّ .
القراءة ُ لا تعرف الزّمن ، فمن صفرة ِ الأوراق إلى بياضهاِ الناصع دهور ٌمرتْ بينهما. وكم أعجب من شاعرٍ يقرأ أشعاره من جهاز الموبايل و الآي باد . أشعر بالحزن على هذه الكلمات وعلى شاعرية الشاعر ، كيف له أن يحاصر المعنى بشاشة إلكترونية .
اتركوا أ وراقكم للرياح ، العاصفة تحمل معها ثمرات اللقاح . في كل الفصول يوجد ُ ثمارٌ نُحبها..!

فرات إسبر

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة World Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.