السفير المعزول.. والديبلوماسية التونسية المرتبكة

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 11 février 2020 - 9:28
السفير المعزول.. والديبلوماسية التونسية المرتبكة

لعلنا لا نبالغ اذا اعتبرنا اليوم ان تونس أضحت رهينة بل وضحية أيضا لسياسة الارتجال وانعدام الخبرة والوضوح الذي كلف وسيكلف البلاد الكثير سواء في علاقة أصحاب السلطة بالشعب او سواء فيما يتعلق بعلاقاتها و مصالحها الخارجية .. نقول هذا الكلام ونحن نستعيد ما يجود به علينا المشهد السياسي والنخب الحاكمة من بارد والى القصبة مرورا بقصر الضيافة وصولا الى قرطاج وتداعيات اقالة مندوب تونس في الامم المتحدة و ما رافقه من جدل مشروع..

طبعا , لسنا بصدد مناقشة حق رئيس الجمهورية في ممارسة صلاحياته واقالة او تعيين من شاء ولسنا بصدد تكريس ثقافة الامبالاة وعدم المسائلة أو المحاسبة عندما يقتضي الامر ذلك , بل لعلنا لا نبالغ اذا اعتبرنا أن مصيبة تونس و غرقها في الفساد الذي ينخر البلاد مرده اليوم غياب المحاسبة والمسائلة التي ارهقت مؤسسات الدولة و تكاد تهدد بقية من هيبتها و صورتها ..
ولكن , و رغم قناعتنا ان القانون يظل فوق الجميع وانه يعلو ولا يعلى عليه فاننا نكاد نجزم بان التبرير الذي اعتمدته رئاسة الجمهورية و معها الخارجية لاقالة مندوبها في نيويورك بطريقة تفتقر” للديبلوماسية و بروتوكولاتها وتنزيل ذلك في اطار “غياب التنسيق” لا يبرر الاقالة وذلك لعدة اسباب ..
والامر لا يتعلق بتوقيت الاقالة فتلك مسالة ثانوية عندما يتعلق الامر بتداعياتها ..لا خلاف ان السفير المنصف البعتي الذي اقيل على عجل قد اجتهد وانه على ما يبدو وحسب ما تم نشره بشان مشروع القانون الذي تم توزيعه على الاعضاء في مجلس الامن تبنى ثوابت و مواقف تونس و شعبها على الدوام , بل و تبنى بشكل واضح خطاب الرئيس قيس سعيد و مواقفه المعلنة من القضية الفلسطينية منذ اول يوم لتنصيبه رئيسا للجمهورية و من الواضح ان الرجل كان وفيا للديبلوماسية التونسية على الاقل في الإصرار على مبدا حل الدولتين واقامة الدولة الفلسطينية على حدود ال67 و عاصمتها القدس الشرقية (علما وان مشروع القرار نشر في مختلف المواقع و الصحف العالمية )..أين الخطأ اذن ؟
قد يكون السفير اجتهد و انساق الى تقديم المشروع دون العودة الى الوزارة المعنية وهو اجتهاد لا يبدو انه حظي بالرضاء , وهنا مربط الفرس و مكمن الداء والخوف من اتخاذ القرار الخطأ في التعجيل بالاقالة ..
اذ ان في التوجه الى هذا الخيار بتلك الطريقة التي لا تخل ايضا من الاهانة و التقزيم فيها اكثر من رسالة سلبية لكل مسؤول مهما كان موقعه تحذره من الاجتهاد وتحثه على تجنب الجرأة وانتظار الضوء الأخضر قبل اتخاذ أي قرار. وهذا في الحقيقة خطيرو يمن شأنه ان يمهد بكل بساطة للعودة بالجميع الى مرحلة كنا نعتقد ان تونس تجاوزتها وهي مرحلة “باذن من سيادته “و بقرار من سيادته ” و التي كان يمكن ان تكلف من يتجاوزها الكثير في حال عدم الحصول على الضوء الاخضر من ساكن قرطاج ..
النقطة الثانية ولا نخالها اقل اهمية فتتعلق بتقزيم رجالات الدولة و كفاءاتها والاستهانة بدورهم و هذا ايضا ما سيخلق حالة فراغ خطير على مختلف المستويات و سيعجل بهيمنة و امتداد الانتهازيين و المتسلقين في الصفوف الاولى , و تراجع المتميزين ممن يجمعون الصفات المطلوبة لخدمة تونس في الداخل او تمثيلها في الخارج ..
النقطة التالية و في علاقة ايضا بتهمة ” انعدام الكفاءة وعدم التنسيق “والتي تفترض التفكير العميق و الجدي قبل اتخاذ القرارات لما تحتمله من ارتدادات على اصحابها و تحديدا الذين أساؤوا او يسيؤون اختيار سفرائهم و ممثليهم في العالم .. والامر ذاته ينسحب على وزارة الخارجية التي بررت الاقالة ب”اعتبارات مهنية بحتة تتعلق بضعف الأداء وغياب التنسيق والتفاعل في مسائل هامة مطروحة للبحث في المنتظم الأممي”.. و في ذلك ايضا اهانة مضاعفة واجحاف في حق السفير المقال و في حق الوزارة التي اسقطت من حساباتها ان الامر يتعلق بتاريخها و صورتها و مصداقيتها وباحد موظفيها الذين قضوا اكثر من ثلاثة عقود في العمل الديبلوماسي ..
ولعل في تصريحات مندوب بلجيكا مارك بكستين دو بويتسويرف، الذي قال ان الامر “شكل صدمة.. و انه لا يعرف كل التفاصيل والسبب خلف ذلك.. كان زميلا جيدا للغاية وآسف جدا لرؤيته يغادر”.
..طبعا لسنا في زمن بورقيبة و ريغن بعد الهجوم الارهابي الاسرائيلي على حمام الشط الذي استهدف القيادة الفلسطينية في تونس , و لا ننتظر من ترامب عدم رفع الفيتو على المشروع الذي ستقدمه تونس و اندونيسيا ..ولكن للمنطق حساباته والمنطق كان يفترض دعوة السفير للتواصل معه وتصحيح ما يستوجب التصحيح بعيدا عن التشهير الى درجة التحقير ففي احترام .الدولة رجالاتها احترام لهيبتها
لا خلاف ان اقالة مندوب تونس في الامم المتحدة المنصف البعتي ستظل نقطة داكنة في الديبلوماسية التونسية احد اهم المجالات التي حققت فيها تونس نقاطا مهمة اقليميا و دوليا
السفير الذي يحمل رتبة السفير المفوض فوق العادة مارس صلاحياته بما تستوجبه مهمته و عمل في اطار الخطاب الرسمي الذي يعتنقه الرئيس قيس سعيد وفي اطار الموقف الشعبي في تونس ليجد نفسه في موقع المتهم …ما حدث يؤكد ارتباك الديبلوماسية التونسية التي فقدت البوصلة منذ فترة و تاهت في زحمة الاحداث ..و لاشك انه سيتعين على الرئيس سعيد ان اراد التدارك مراجعة ما حدث منذ تنصيبه في قرطاج في علاقة بالملف الليبي و بالعلاقات مع شركاء و حلفاء تونس و احاطة نفسه باهل الخبرة و الديبلوماسيين الاكفاء و هم كثر و سيتعين عليه ان اراد تصحيح الاخطاء ان يجعل حوله طاقما او لجنة من الحكماء يستنير بها في تحديد و انجاح العلاقات الديبلوماسية و هي محور الصلاحيات التي منحها له الدستور و عدا ذلك علينا ان نستعد لمزيد البيانات المتناقضة الغارقة في البؤس و التهجم و الادانة للغير …الانتباه ضروري لان المتربصين كثر وقد بداوا يرصدون الاخطاء المتواترة و يشحذون سهامهم استعدادا ربما للمرحلة القادمة …

اسيا العتروس – كاتبة تونسية

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.