الجزائر واللقب الأفريقي: تحقَّق المهم… ويبقى الأهمّ

مشاهدة
أخر تحديث : dimanche 21 juillet 2019 - 9:07
الجزائر واللقب الأفريقي: تحقَّق المهم… ويبقى الأهمّ

تتويج الجزائر بلقبها الثاني في بطولة أمم أفريقيا، جاء في ظروف استثنائية للغاية سواء على الصعيدين الرياضي أو السياسي أو حتى الاجتماعي في البلاد التي تشهد « حراكاً شعبياً » تستمر فصوله منذ شهر شباط/ فبراير الماضي.

دوّن منتخب الجزائر لكرة القدم اسمه بأحرف من ذهب في بطولة كأس أمم أفريقيا التي اختُتِمت في مصر يوم الجمعة الماضي، بعد أن كتب تاريخاً جديداً مشرقاً للكرة الجزائرية، إثر تتويجه باللقب للمرة الثانية بعد دورة 1990 التي احتضنتها الجزائر.
فوز الجزائر بلقبها الثاني، جاء في ظروف استثنائية للغاية سواء على الصعيدين الرياضي أو السياسي أو حتى الاجتماعي في البلاد التي تشهد « حراكاً شعبياً » تستمر فصوله منذ شهر شباط/ فبراير الماضي، من أجل الإطاحة بالنظام الذي حكم البلاد في العشريتين الأخيرتين وجاء اللقب الغالي أيضاً بعد سنوات عجاف مرّت بها الرياضة الجزائرية وبشكل خاص كرة القدم التي فقدت بريقها سواء على مستوى الدوري الذي يرزح تحت وطأة الفساد المستشري وكذلك المخدرات والمنشطات وعنف الملاعب والمراهنات المشبوهة.
منتخب الجزائر جمع كل فئات الشعب الجزائري بمختلف أطيافه حول هدف واحد وهو النهوض بالبلاد من كبوتها، وكتابة تاريخ جديد وفتح صفحة جديدة ومحو الخيبات السابقة على كافة الأصعدة.. ورغم أن « الحراك » الذي تشهده البلاد لم يتأثر بإنشغال قطاع واسع من الجماهير بما كان يفعله رفاق المتألق رياض محرز على أرض الكنانة، بالقضية الأولى وهي السعي لتأسيس دولة جديدة ونظام قائم على العدالة والمساواة والعيش الكريم، إلا أن انتصارات « المحاربين » في أمم أفريقيا بمصر في طريقهم لحصد اللقب القاري ساهمت في تأجيج مشاعر كل فئات الشعب ومعها المنظومة السياسية للالتفاف حول هذا الفريق الذي ضرب مثالاً حياً في التضحية والالتزام والوفاء والولاء للوطن ولا شيء غيره على حد قول المدير الفني « الاستثنائي » جمال بلماضي: « نحن نلعب ونفوز من أجل الجماهير، ومن أجل الجزائر، نريد أن نجعل الجزائريين فخورين »، وعلى حد تعبير مسجل الهدف الغالي بغداد بونجاح الذي أسر قلوب جميع المتابعين في البطولة القارية إثر دخوله في نوبة بكاء حادة بعد إهداره ركلة جزاء حاسمة أمام ساحل العاج في دور الثمانية، حيث قال بعد التتويج باللقب مخاطباً الجزائريين: »نحن لا نلعب من أجل المال ولا لأجل الشهرة..نحن نلعب من أجل الجزائر فقط »، كلمات كان وقعها وتأثيرها قويين جداً، وكأنها رسالة مباشرة لأولي الأمر بضرورة سلك نفس سبيل « المحاربين » لأجل الوصول بالبلاد إلى بر الأمان، رسالة تكون قد وصلت إلى أعلى هرم في السلطة، بعدما تم تكريم اللاعبين بأعلى درجة من الأوسمة وهو وسام الاستحقاق الوطني، بعد عودتهم إلى الجزائر، واستقبالهم من طرف رئيس الدولة عبد القادر بن صالح الذي خاطب أبطال القارة السمراء قائلاً: « هذا التكريم استثنائي بحق، إذ يهدف إلى مكافأة إنجازاتكم المتميزة لكي يكون مصدر إلهام وقدوة حسنة للأجيال القادمة »، مضيفاً: « منذ أن بدأتم مشواركم الرياضي المظفّر في منافسة قارية صعبة، تعلّقت بكم آمال الجزائريات والجزائريين في الوطن وفي الخارج ».
لقب أمم أفريقيا الذي أحرزه المنتخب الجزائري، لم يقتصر الاحتفال به على الجماهير الجزائرية فقط، وانهالت التهاني والتبريكات من طرف العديد من نجوم الكرة حول العالم على غرار زين الدين زيدان وكريم بنزيما ذوي الأصول الجزائرية، وكذا الفرنسي فرانك ريبيري الذي أصرّ على حضور اللقاء النهائي بمصر رفقة عائلته الصغيرة (زوجة ريبيري جزائرية)، وامتدّت الاحتفالات أيضاً إلى كافة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وحتى في الكثير من الدول عبر العالم، وهذا يدل على مدى لقاء هذه الجماهير والشعوب في قاسم مشترك واحد وهو الحصول على « الفرحة والسعادة ».
لكن هذه الهبّة الشعبية التي حظيت بها الجزائر تمثّل سلاحاً ذو حدين على اللعبة الأكثر شعبية في البلاد وفي العالم، فاللقب الأفريقي من جهة أعاد شيئاً من البريق المفقود للكرة الجزائرية ووضعها في مكانها الطبيعي، لكن ذلك سيفرض عليها وعلى الهيئات الكروية من جهة أخرى ضغطاً شديداً لوضع الأمور في إطارها الصحيح داخل المنظومة الرياضية بشكل عام وتصحيح أوضاعها المتردّية، وعدم الاختفاء دوماً وراء الانجازات والألقاب التي غالباً ما تكون « الشجرة التي تغطي الغابة ».
من حق الجماهير الاحتفال باللقب الغالي وإطلاق العنان للأفراح والليالي الملاح، بعد سنوات من الانحطاط والقهر الرياضي والكروي.. من حقها أيضاً أن تحلم بغد أفضل، ولكن يجب الاستيقاظ سريعاً من هذا الحلم والاستثمار في هذا الانجاز بأفضل طريقة، بدلاً من الاختفاء وراءه مثلما حدث في مرات كثيرة سابقة. يجب الانشغال بجوهر القضايا والمسائل الهامة على مستوى الدوري والسعي للقضاء على مختلف الظواهر السلبية التي تتهدّده وتساهم في تشويه صورة الكرة والرياضية بشكل عام، خصوصاً وأننا نعيش مرحلة حساسة جداً، ومقبلون على فترة أكثر صعوبة على كافة الأصعدة.
يجب توحيد الصفوف وتضافر جهود جميع الفاعلين للاستمرار لأطول فترة ممكنة على القمة، وعدم تكرار ما حدث في العقود الثلاثة الماضية: الجزائر نالت اللقب الأفريقي في دورة 1990 بالجزائر ولم تستثمر ذلك بالشكل المناسب، لتدخل الكرة الجزائرية النفق المظلم إلى غاية العام 2010 الذي شهد وصول منتخب كرة القدم إلى نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية بأنغولا، وعودته للمشاركة في كأس العالم من بوابة جنوب أفريقيا بعد غيابه عن المونديال مند عام 1986، وقبلها غاب عن دورتين متتاليتين في مصر 2006 وغانا 2008، ولم يتم الاستثمار في ذلك أيضاً بشكل جيد، وعاد منتخب « المحاربين » للترنّح من جديد وغاب عن أمم أفريقيا في دورة 2012 بالغابون، وخرج من الدور الأول في نسخة 2013 بجنوب أفريقيا، قبل أن يعود إلى العالمية من جديد عبر بلوغه مونديال البرازيل 2014، ولم يتم الاستثمار أيضاً في ذلك، ليدخل منتخب الجزائر فترة فراغ رهيبة غاب فيها عن الواجهتين القارية والعالمية، إذ فشل في بلوغ المونديال الثالث له على التوالي في روسيا العام الماضي بعد سقوطه بشكل مريع في التصفيات، وفي الفترة السابقة أيضاً غرقت الكرة الجزائرية والرياضة بشكل عام في الفوضى، وسيطرت عليها الكثير من الظواهر السلبية، التي أصبحت عنواناً رئيسياً ليوميات بائسة تعيشها الرياضة في البلاد، قبل أن يعود منتخب كرة القدم تحت قيادة « الساحر » بلماضي لتسيُّد القارة السمراء في سيناريو لم يكن يتوقعه أشد المتفائلين، ليمنح بصيصاً من الأمل لتدارك الأمور، والحفاظ على هذا المكسب واستغلاله بشكل مثالي… لأن الأصعب كما يقول المثل الشائع: « ليس الوصول إلى القمة وإنما البقاء فيها ».

مسعود علال – الجزائر / الميادين نت

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.