التراجيديا الأميركية مع الجماعات العراقية

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 14 janvier 2020 - 9:47
التراجيديا الأميركية مع الجماعات العراقية

كانت جلسة البرلمان العراقي الأخيرة، المخصصة لمسألة إخراج القوات الأميركية من العراق، والتي سماها رئيس البرلمان العراقي صراحة « الجلسة الشيعية »، كانت درسا بليغا فيما يمكن تسميته بانقلاب حلفاء الولايات المتحدة السابقين عليها.

شهدت الجلسة الصاخبة الكثير من الهتافات والشعارات المعادية للولايات المتحدة، مع رفع للقبضات الغاضبة وصور لشخصيات ورموز تعتبرهم واشنطن من أشد أعداءها. كانت الجلسة مشهدا شبيها بما كان يجري يوما ما في برلمانات دول الكتلة السوفياتية في ستينيات القرن المنصرم، التي كانت خطابها وبرنامجها وعقلها السياسي قائما على جملة واحدة: « تسقط أميركا ». وهذا الأمر يشكل رمزية عميقة وإشارات واضحة على أن مناهضة الولايات المتحدة بالنسبة لمجموع تلك القوى والأحزاب، إنما هي مسألة تتجاوز السياسة نفسها، لتكون شيئا ثقافيا وأيديولوجيا بنيويا.
نفس هذه الأحزاب السياسية الشيعية، بزعمائها وقادة صفوفها المتقدمة، كانت الولايات المتحدة قد أتت بهم قبل سنوات قليلة، من مختلف منافي وهوامش العالم، لتدخلهم في « صفحة التاريخ »، وتسلمهم بلدا شديد الثراء في كل شيء. لينسج هؤلاء بالتقادم، اعتبارا من تلك اللحظة التأسيسية وحتى الآن، سياسات « عراقية » استراتيجية، قائمة على ساقين متوازيتين: تفكيك كافة الأسس والمؤسسات التي تُعتبر مراكز قوة الولايات المتحدة في الداخل العراقي، والاندراج التام في المحور الإقليمي المناهض/المعادي لها.

اكتشف الأكراد منذ عشرينيات القرن المنصرم وذاقوا أوهام الشعارات السوفياتية

يحدث ذلك، في نفس الوقت التي تصر فيه الولايات المتحدة على تمتين كافة أشكال التعاون والمساعدات التي يمكن أن تقدمه للعراقيين، بالذات للدولة والسلطة المركزية، التي يشكل هؤلاء عضدها الأساس.
فالقوات الأميركية تدرب الجيش والقوى الأمنية العراقية، ولا تتوقف عن تقديم المساعدات المالية وتنمية الطبقة الوسطى العراقية. تمتن التعليم وساعد في تطوير الإعلام، وتتوسط بين العراق والمؤسسات الدولية، وطبعا تنخرط عسكريا إلى جانب السلطة العراقية في محاربة التنظيمات المتطرفة، التي تهدد السلام الاجتماعي العراقي في جذوره، وكانت قبل خمسة سنوات فحسب، تهدد وحدة ووجود الدولة العراقية نفسها.
لم يكن ذلك الانقلاب المديد نتيجة صدفة حتمية، بل كانت تتويجا لطيف من التحولات والديناميكيات الموضوعية، تتحمل سياسات وقرارات الولايات المتحدة الوزر الأكبر لحدوثها.
فالمشروع الأميركي في العراق عام 2003، تأسس على سوء وعي أولي لتعقيدات المشهد العراقي، داخليا وإقليميا، لأنه كان مأخوذا بخيالات النجاح في التجربتين اليابانية والألمانية فحسب، دون أي إدراك بالفروق الهائلة بين النموذج العراقي، مجتمعا وكيانا وجيو-سياسة، وبين مختلف النماذج الأخرى.
ذلك التأسيس المسطح أدى لسياسات انتحارية متراكمة، مثل حل الجيش العراقي وأجهزته الأمنية، وتحطيم مجتمع العرب السُنة عبر قانون اجتثاث البعث، وعدم حل عُقدة المسألة الكُردية المتمثلة في ملف المناطق المتنازع عليها. وتبع هذه الأمور إصرار على إجراء انتخابات عامة دون أية معايير ضابطة للعملية الديمقراطية، والذي تبعته سياسات مترددة غير استراتيجية تجاه الدول الإقليمية، التي حولت العراق إلى ملعب شاسع لتصفية الحساب مع الولايات المتحدة، وخُتم بالانسحاب غير المحسوب العواقب من قِبل إدارة أوباما، حيث سلم العراق فعليا لمناهضي الولايات المتحدة، وحوله بالتالي إلى كيان تراجيدي بالنسبة له: لا هي قادرة على البقاء في العراق، بسبب ضغوط هؤلاء المناهضين، ولا هي قادرة على الانسحاب منه، بسبب المخاطر الجمة التي قد تمس الأمن القومي الأميركي جراء ذلك.

على الدفة الأخرى، فإن أكراد العراق يعيشون مع الولايات المتحدة عشقا متيما، لكن من طرف واحد. منذ نصف قرن على الأقل، ولأسباب تتعلق بالعدوات الهائلة التي تحيط بهم من كل حدب، فإن الأكراد العراقيين كانوا يعتبرون الولايات المتحدة هي القوى العالمية الوحيدة القادرة على تأمين مظلة حماية ما لهم.
على عكس باقي مجتمعات المنطقة، كان الأكراد منذ عشرينيات القرن المنصرم قد اكتشفوا وذاقوا أوهام الشعارات السوفياتية، التي تحالفت مع أتاتورك في تركيا منذ تأسيسه للدولة التركية الحديثة، التي بدأها بالإطاحة بثورة قومية كردية تلو أخرى، ومن ثم تواطئ السوفيات مع شاه إيران، ومحق دولة الأكراد الوحيدة في مهاباد أواسط الأربعينيات. منذ ذلك الحين، كانت مختلف المجتمعات الكردية تراكم إحساسا مستبطنا بأن الولايات المتحدة هي « قوة الخير » الوحيدة.
نفس الذات الجمعية الكردية، بالذات منهم أكراد العراق، ذوو التجربة السياسية الأكثر زخما ونجاحا، كانت قد تعرضت على الدوام لصدامات متلاحقة من الاستراتيجية الأميركية، التي كانت ترى نفسها على الدوام بين خيارين قطبيين: إما المسألة الكردية أو دولة وأنظمة المنطقة! فكانت تختار هؤلاء الأخيرين، لفارق الأدوات والقوة الهائل بين الطرفين.
راكمت الذاكرة الجمعية الكردية العراقية مناسبات « مأساوية » غير قليلة لعلاقتهم مع الولايات المتحدة، التي تخلت عن رعاية أواصر العلاقة بين شاه إيران والحركة القومية الكردية لصالح اتفاق الجزائر الشهير بين الشاه وصدام حسين عام 1975، وبذا الإطاحة المريرة بالثورة الكردية المسلحة.
تبع ذلك عقد الثمانينيات الدامي، الذي لم تلتفت فيه الولايات المتحدة لجروح الأكراد المثخنة على يد نظام البعث، التي كانت إبادة جماعية محضة. منطقة الحظر الجوي التي فرضت شمال العراق عام 1991 لحماية الأكراد، عقب هزيمة النظام العراقي في حرب الخليج الثانية، لم تتحول إلى إي اعتراف سياسي أميركي بالأكراد العراقيين.
طوال السنوات الماضية، صحيح أن الولايات المتحدة ساهمت بزخم في تحقيق الفيدرالية لأكراد العراق، وسمحت لهم بالانخراط في المؤسسات السيادية العراقية، لكنها بقيت مصرة بزخم أكبر على كبح التطلعات « العادلة » للأكراد العراقيين. إذ لم تساهم في أي حل مباشر لملف المناطق المتنازع عليها مع الحكومة المركزية، والتي تقارب مساحتها مساحة إقليم كردستان نفسه. ولم تسمح للأكراد قط تطوير حقهم في تقرير المصير، والاستقلال عن العراق، لو أرادوا. فالحسابات والعلاقات الأميركية مع الأكراد العراقيين بقيت تدور في فلك « طلب التحالف من طرف واحد »، مثلما كانت منذ ستينيات القرن المنصرم.
إلى جانب الجماعتين الأهليتين/السياسيتين التأسيسيتين، فإن العرب السنة يعيشون مشروع صمتهم الطويل. فمن جهة يعتبرون الولايات المتحدة الأداة التي أطاحت بحكمهم المديد للكيان العراقي، وبذا بمكانتهم وسلطتهم المتمايزة، وفي نفس الوقت يشعرون بأن أي عراق دون حضور ونفوذ أميركي، إنما سيعني ترك مناطقهم ومجتمعاتهم تحت سلطة وهيمنة ميليشيات الحشد الشعبي الطائفية.

أكراد العراق يعيشون مع الولايات المتحدة عشقا متيما، لكن من طرف واحد

يعيش العرب السنة العراقيون مسارا تقليديا للجماعات المغلوبة والكيانات الصغيرة مع الولايات المتحدة، التي كانت تعتبر النفوذ والثقل الأميركي ضمانة رئيسية لعدم اندفاع الكيانات الأكبر لابتلاعها، لكنها في نفس الوقت كانت تجد نخبها السياسية والأيديولوجية تستميت مندفعة لـ »شتم » الولايات المتحدة، تجاوزا لابتزاز الجماعات والكيانات الأكبر.
ليس ثمة أية وصفة جاهزة لتجاوز هذه التراجيديات الأميركية المركبة مع الجماعات الأهلية/السياسية العراقية، بل فقط يمكن التخفيف منها، وذلك عبر العودة ومراجعة أساس الفهم الأميركي للكيان العراقي، الذي لا تجمعه أية مماثلة مع النماذج الألمانية واليابانية.
فالعراق في تأسيسه الأولي وشكل كيانه وتاريخه السياسي كان كيانا بالغ التركيب والاصطناع، شديد التناقض الداخلية وذو ذاكرة بينية قاتمة المرارة بين جماعاته الأهلية التأسيسية، فوق ذلك فإنه كيان نفطي ليس به ثقافة للعمل وتاريخ للإنتاج. ومع كل ذلك، فإنه جيوسياسياً على مفترق الطرق بين الكيانات الإقليمية المتصارعة والمتطلعة للهيمنة عليه.
عدم ملاحظة كل ذلك وحسابه استراتيجيا من قبل الولايات المتحدة، صاحبة المصلحة الرئيسية حل « العقدة العراقية » إنما تعني معاندة طبيعة الأشياء وأصلها، وبذا فتح باب الجحيم أمام مختلف التراجيديات.

رستم محمود – كاتب وباحث سوري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.