الباحث والمفكر – هشام جعيط : الكتابة التاريخية العربية انزاحت نحو المقاربات الفكرية

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 20 décembre 2019 - 4:24
الباحث والمفكر – هشام جعيط : الكتابة التاريخية العربية انزاحت نحو المقاربات الفكرية

الباحث والمفكر هشام جعيّط يعتبر أنه رغم بروز مفكرين عرب انتهجوا المناهج العلمية الأوروبية الحديثة لكن كان هناك ضعف كبير في كتابة التاريخ في العالم العربي.

تحتل المعرفة التاريخية مكانة متميزة في سلم المعارف الإنسانية، فهي بحق يمكن أن تحرر الإنسان من أوهامه وتصوراته المتعالية عن ذاته وحقب الماضي، بشرط أن تتميز بالموضوعية والمقاربة العلمية. ويعد المؤرخ التونسي هشام جعيّط من بين أسماء عربية قلة برعت في هذا الحقل، بتقديمها مادة تاريخية انحازت في مجمل اهتماماتها للطرح المنهجي والعلمي مستعينة في تناولها لمختلف الحقب بكل منجزات العلوم الإنسانية ومختلف حقولها. وكان اللقاء التكريمي الذي احتضنته مؤسسة مؤمنون بلا حدود تحت عنوان “هشام جعيّط وراهن الفكر التّاريخي العربي”، فرصة ليكشف فيها المحتفى به عن رأيه في راهن الكتابة التاريخية عالميا وعربيا، ويقدم عبرها أهم خاصيات الكتابة التاريخية العلمية والمنهجية.
تونس- قدّم الباحث والمفكر التونسي هشام جعيّط تشخيصا لراهن الفكر التاريخي العربي، خلال لقاء تكريمي نظمته مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة ودار الكتب الوطنية بتونس.
ألقى جعيّط، الذي وصفته مديرة دار الكتب الوطنية والباحثة رجاء بن سلامة بـ”المفكر القلق الذي ينفر من الاختصاص الضيق والذي يبدي موقفه من الراهن من منطلق البحث في التاريخ”، محاضرة أتت على جملة من المحاور الكبرى في ما يخص دراسة التاريخ والمعرفة التاريخية في العالم العربي منذ القدم وإلى حدود الواقع الراهن.
ويرى المفكر التونسي أن هناك أزمة عالمية في كتابة التاريخ. ويشرح أسباب هذه الأزمة بقوله “الغرب اعتبر أنه أتم النظر في التاريخ الإنساني من تاريخ اليونان إلى حدود القرن العشرين”.
أما بخصوص التاريخ العربي فالوضع أسوأ، على حد تعبيره، نظرا لوجود ضعف وتساهل مع كتابة التاريخ، مطالبا المفكرين العرب “أن يعملوا بجهد أكبر للتنقيب في هذا التاريخ”.
ويرى أن “التاريخ الإسلامي منفتح على مجهودات المؤرخين، والمجال واسع لمزيد من العمل اليوم”. ويسلط جعيّط الضوء، على كيفية تناول المفكرين العرب لهذا الاختصاص، لافتا إلى أن أغلبهم اتخذ طابعا فلسفيا، في ما لم تقع دراسة التاريخ بمعناه الحقيقي.

هشام جعيط: أحسن مدرسة تاريخية موجودة اليوم هي المدرسة التونسية في ما يخص التاريخ الإسلامي

ويقول “ما قام به المفكرون العرب نظرة ورؤية لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وهو ما يسمى في الفكر العربي المعاصر أو ما يسميه المفكر المغربي عبدالله العروي بالأيديولوجيا العربية”.
ويتابع “في القرن العشرين وخاصة في مرحلة الثمانينات والتسعينات، التاريخ لم يكن ينظر له باعتباره معرفة وعلما، بل كان المثقف العربي مشدودا إلى الفلسفة والفكر لأنه في تلك الفترة لا يؤمن بعلمية ومعقولية المعرفة التاريخية”.
ويرى جعيّط أن “التاريخ علم قبل كل شيء.. ولو كان من علوم الثقافة، وهو متاح للمهتمين به المتمكنين من أدواته القائمة أساسا على التعامل مع الوقائع والمعطيات بشكل موضوعي دون تدخل للعامل الذاتي… لذلك فالتاريخ علم دقيق يقارب في دقته علوما صحيحة كالرياضيات”.
ويشير إلى أن “التاريخ علم ملتزم بمنهجية خاصة وهو علم تكوّن منذ قديم الزمان منذ ظهور حضارات إنسانية”.
ويستشهد في شرح كيفية التزام الكتابة التاريخية بالصرامة والعلمية بالعودة إلى تجربة دراسة التاريخ في الغرب. ويقول إن “المؤرخين الغربيين اهتموا بالتاريخ معتبرين أن التاريخ العلمي المنهجي من مكونات القرن التاسع عشر بألمانيا وفرنسا وكانت بدايته في القرن الثامن عشر في بريطانيا مع المؤرخ الإنجليزي إدوارد غيبون الذي قام بعمل تاريخي مهم جدا”.
ويبين أن المنهجية التاريخية العلمية ظهرت في القرن التاسع عشر بالتحديد. وركزت على الاهتمام بكل المصادر المتعلقة بالكتابة التاريخية من الوثائق والمعطيات والكتابات القديمة سواء من خلال نقدها أو تعريضها للتدقيق والتفكيك، وقد شكلت “الأركيولوجيا” كعلم يتبنى منهجية الحفر والتقصي إضافة نوعية لفهم الحقائق التاريخية بعيدا عن القراءات التمجيدية والكتابات الاستشراقية المتحيزة، الأمر الذي مكن من بلوغ معرفة تاريخية علمية.
مستدركا “لكن في القرن العشرين اتسعت رؤى المؤرخين في فرنسا بالأساس مع ظهور مدارس في بريطانيا، أما اليوم فصارت الولايات المتحدة هي المركز الأساسي للكتابة التاريخية والعلوم السياسية والفكرية متجاوزة أوروبا التي كانت سباقة في هذا المجال خلال العصور الحديثة”.

نادر الحمامي: أراد جعيّط التأكيد على أنّ الفكر العربي المعاصر قد عرف حراكا أيديولوجيا وفكريّا في فترات معيّنة

ورغم بروز مفكرين عرب انتهجوا المناهج العلمية الأوروبية الحديثة لكن كان هناك نقص وضعف كبير في كتابة التاريخ في العالم العربي، حسب جعيّط. واعتبر أنه لا بد من إعادة التفكير في كتابة التاريخ الحديث، كاشفا أن التفكير ليس بالضرورة أن يكون فلسفيا وإنما أن يصوغ المؤرخ الحديث ما كتبه وفق رؤية نقدية تمحيصية لجميع المصادر، بما في ذلك عند اعتماده على ما كتبه الإخباريون القدامى من اليونان أو الرومان أو العرب.
ويدعو جعيّط المؤرخين الشبان إلى ضرورة الانتباه واليقظة عند التعاطي مع المصادر التاريخية المتعلقة بالإسلام المبكر، خاصة ما جاء في “تاريخ الطبري” و”الكامل في التاريخ” لابن الأثير وغيرهما من المراجع التي أرخت للمرحلة الأولى.
وهو يعتقد أن على المؤرخ الحديث أن تكون له من اتساع النظرة والمقاربة الموضوعية في الكتابة التاريخية الشيء الكثير، كما هو مطالب أن يكون ملما بالعديد من الثقافات والمعارف المختلفة مثل السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا والفلسفة والهرمونيطيقا، مما يجعله يعيد كتابة “كل الأحداث التي كتبها الطبري بصياغة أخرى تشبه تلك التي دوّنها” في كتابه “الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر”.
وأثار جعيّط نقطة ثانية من خلال تشخيصه لراهن التاريخ العربي، مشيرا إلى أنه “غلبت علينا منذ الاستقلالات نحن العرب فكرة الدولة الوطنية لذلك اتجه أغلب المؤرخين نحو التاريخ الوطني، لكن هناك فرق بين مؤرخ مختص في التاريخ الوطني يكتب مثلا عن الدولة الحفصية وآخر يكتب عن تاريخ الرومان”.
ولاحظ المفكر التونسي أنه منذ عودته إلى تونس بعد هجرة طويلة إلى الخارج وجد أن “كل التونسيين كتبوا حول التاريخ الوطني ولا توجد كتابة عن تاريخ الحضارة الإسلامية في قلبها وليس في الأطراف لأنه في الواقع نحن في الأطراف ليس في القلب”.
لكنه استدرك قائلا بأن الجيل الجديد بدأ يغادر شرنقة الكتابات القديمة، حيث تطل من حين إلى آخر كتابات تتناول فترة الجاهلية وتاريخ الإسلام المبكر.
غير أن هذه الكتابات لن تعفي من القول بأن “اليوم هناك ضعف كبير في الكتابة التاريخية في العالم العربي لأنه منذ الثمانينات وقع التركيز على الفكر السياسي بالأساس والاختصاص التاريخي ضاع بشكل كبير”.
وأشار جعيّط إلى أهمية الكتابات الاستشراقية، وما قدمته من إسهامات في مقاربة التاريخ الإسلامي رغم ما رافق ذلك من ثغرات وإسقاطات وتوجيه، قائلا بأن “المستشرقين قد اهتموا منذ القرن التاسع عشر بتاريخ الإسلام بصفته حضارة إنسانية كبيرة مثلما اهتموا بالحضارة الصينية والهندية والحضارات الكبرى في العالم، واهتموا من جهة أخرى بالدين الإسلامي لأن الضمير الأوروبي منذ القرون الوسطى اعتبر أن الدين الإسلامي عدوّ، لذلك اهتموا به أكثر من اهتماماهم بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي هنا وعندما انتقدتهم انتقدتهم من هذه الوجهة”.
ويعد جعيّط من بين أهم المفكرين العرب الذين دعوا إلى التصدي والتحري في المقاربات الاستشراقية المتحاملة على الإسلام والمسلمين، خاصة تلك التي قدمها المجري غولدزيهر والأميركي جون مينارد وغيرهما.
وأردف جعيّط “أنا فخور أنه وُجدت مدرسة تاريخية تونسية اهتمت بالتاريخ الإسلامي في أوجه حضارته مثلما اهتم به جيلي، وكنت قد درست تلك الفترة التي شملت تاريخ مرحلة الجاهلية وصولا إلى الفترة الأموية”. ويضيف بأن هناك مجموعة من المؤرخين في هذا الجيل وهم أستاذة في الجامعة لكنهم مجهولون لم يُعترف بمجهوداتهم في كتابة التاريخ الإسلامي ويجب الاعتراف بذلك مثل محمد حسن وغيره”.
ويتابع “لم يعرف العالم العربي اليوم أن أحسن مدرسة تاريخية موجودة اليوم هي المدرسة التونسية في ما يخص التاريخ الإسلامي لأنها لم تهتم بالدين فقط بل اهتمت بالاقتصاد والسياسة والمجتمع وهي بذلك تقدم مقاربات أكثر موضوعية في تناول التاريخ الإسلامي”. مشيرا إلى أن البعد الجغرافي ليس له علاقة بدراسة التاريخ.
ودعا جعيّط إلى “ضرورة نشر الكتب التونسية في الشرق لتلقى رواجا واعترافا هي جديرة بهما”. وركزت النقطة الأخيرة في محاضرة جعيّط على الفرق بين الفكر التاريخي وعلم التاريخ وفلسفة التاريخ.
يدعو جعيّط المؤرخين الشبان إلى ضرورة الانتباه واليقظة عند التعاطي مع المصادر التاريخية المتعلقة بالإسلام المبكر، خاصة ما جاء في « تاريخ الطبري » و »الكامل في التاريخ » لابن الأثير

ودعا في نهاية المحاضرة المفكرين في تونس والعرب إلى ضرورة الاهتمام الواسع بكتابة ودراسة التاريخ الإسلامي لافتا إلى ضعف اهتمام الغرب اليوم بالتاريخ لأن الحاضر قد سيطر على نظرتهم. وعزا ذلك إلى تأثير الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي على المجتمعات الأوروبية.

ويعترف بأن هناك تغييرا قويا وكبيرا في توجهات القارئ “تجعلنا نخشى على مستقبل الكتاب خاصة الكتاب العلمي المختص بالعلوم الإنسانية والاجتماعية على نطاق العالم، باستثناء الولايات المتحدة”.
ولخص الباحث في التاريخ نادر الحمامي الذي شارك في المحاضرة عبر مداخلة قدمت قراءة لكتابات جعيّط، في تصريحه لـ”العرب” الرسالة التي أراد أن يبعث بها جعيّط لعموم المفكرين بتونس والعالم العربي قائلا “أراد جعيّط التأكيد على أنّ الفكر العربي المعاصر قد عرف حراكا أيديولوجيا وفكريّا في فترات معيّنة، غير أنّ ذلك الحراك كان موجها أكثر إلى التفلسف والفكر بصورة عامّة، ولم يركّز كثيرا على التاريخ والمعرفة التاريخيّة كما تطوّرت في الغرب منذ بداية القرن التّاسع عشر. غير أنّ هذا الضعف في الفكر العربي المعاصر لم يمنع من وجود مؤرّخين عرب تأثّروا بالمناهج الحديثة، ومارسوا الكتابة التّاريخيّة من وجهة علميّة وفكريّة”.
وحسب الحمامي “أشار جعيّط إلى ارتباط الكتابة التّاريخيّة العربيّة في العصر الحديث بفكرة الدولة الوطنيّة، ممّا جعل العرب يكتبون في التّاريخ الوطني لدول بعينها، دون الوعي بأنّ تلك الدّول كانت تمثّل مراكز حضارات بأكملها في القديم، ولا علاقة لذلك مثلا بين تاريخ العراق القديم باعتباره قلب الحضارات الكبرى، والعراق بصفته دولة وطنيّة”.
وفسّر دعوته بضرورة التمييز بين الفكر التّاريخي وعلم التّاريخ وفلسفة التّاريخ قائلا “إنّ الفكر التّاريخي ينفتح على الاهتمام بقضايا بعينها اجتماعيّاً وثقافيّاً، من وجهة التّناسق بين الوعي الفردي والحقيقة الموضوعيّة، مع عدم الالتزام ضرورة بصرامة المنهج التّاريخي، وهذا اختلاف جوهريّ مع علم التّاريخ الذي يفترض الدّقّة العلميّة والمنهجيّة في عرض الأحداث وقراءتها. أمّا فلسفة التّاريخ فهي دراسة الأسس النّظرية للممارسات والتّطبيقات والتّغيّرات الاجتماعيّة التي حدثت على مدى التّاريخ، وهي تهتمّ بمعنى التّاريخ وقوانينه واتّجاهاته”.
وختمت الباحثة التونسية رجاء بن سلامة، المداخلات بالتعليق على محاضرة المفكر التونسي هشام جعيّط التي رأت أن أهم نقطة وردت فيها هي اعترافه “بوجود مدرسة تاريخية تونسية قائمة الذات، ما يفسر الإقبال الكبير على كتب التاريخ التونسية في المشرق العربي ودول الخليج”.

آمنة جبران – صحافية تونسية / العرب

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.