اشكالية اللغة العربية هي إشكالية طبقية وليست عجز في اللغة

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 13 septembre 2018 - 8:59
اشكالية اللغة العربية هي إشكالية طبقية وليست عجز في اللغة

النص الذي أفاض الكأس في الحالة المغربية:
« ازدادت في بيتنا مولودة جديدة. إنها بنت جميلة، سميناها نبيلة (……..)
« اجتمعت العائلة كلها في بيتنا.. جدي وجدتي، عمي وعمتي، وخالي وخالتي وأبناؤهم وبناتهم، هيأت خلتي « الغريبة » و »البريوات »، واحضرت جدتي صحنا من « البغرير » المدهون بالزبدة والعسل ».


هذا النص لأقسام الدراسة في السنوات الأولى ابتدائي أثار في المغرب زوبعة عارمة في المنتديات الافتراضية وأسال الكثير من الفعل وردود الفعل حول اقتحام أكلات بأسماء مغربية خالصة، وأعتقد أن الذين بدؤوا الحملة هم من شعروا بتخوف خاص جيني دفين ظاهره الخوف من موت اللغة العربية الفصحى ولذلك تذرعوا بالمقدس في إحيائها من خلال إثارة موضوعة الخدش والجمالية وما إلى ذلك، اما باطنه فله علاقة دفينة أيضا هي الخوف من موت وظيفة هذه اللغة المقدسة التي يمتهنها الكهنة وهي وظيفة الشراح، وظيفة شارح الدين بشكل عام وشارحي الخطاب الرسمي للدولة.
يثير هذا النص مشكلة أساسية في الهدف علاقة بالزوبعة اللسنية بالمغرب، مالهدف من تلقين الطفل؟ أن يستوعب النص بشكل مباشر، أم ان يستوعبه بواسطة شراح (وليكن شخص المعلم الذي سيشرح على أن اكلة كذا وكذا إن وجدت في لسان الشعر الجاهلي هي فقط « بغرير » بالمغربية (كنموذج) أو قاموسا لغويا برغم أن هذا القاموس في مثل هذه السن ليس مستوعبا البحث فيه عند طفل لانه أساسا يتعلم الكتابة والقراءة كمبدأ أولي في التكوين)، والحقيقة أن مهمة التعليم في الإبتدائي هي مهمة تلقين الكتابة والقراءة مقرونتين بالفهم والاستيعاب. إن الطفل يأتي إلى المدرسة وفي جعبته اللغة الأم، عليه فقط أن يكتب ويقرأ لغته ويفهمها أيضا وهذا أسلوب متبع حتى في الدول التي لها أحسن تعليم.
مشكلة اللغة العربية الفصحى هو مشكلة الفكر العربي السائد، فهي أصلا لغة قائمة الذات ولغة حية أيضا في لسان الشعوب الناطقين بها، لكن هذه الشعوب تنطقها وفق قواعد أخرى هي ما لا يستطيع الفكر السائد أن يتجرأ ليعترف بها ويؤكدها في لسنياته. بمعنى أن هذا الفكر هو من يقصي لسان شعوبه التداولي لصالح لغة كانت حية في زمن خاص وبيئة خاصة.
اللغة العربية الكلاسيكية كانت حية بدليل مختلف اللسنيات التي ضمنتها في قاموسها، يعني كانت لغة بيئة خاصة أغنت قاموسها من لغات كانت سائدة حينها، لغات محيطة بها، فالقرآن مليء بالمصطلحات الفارسية والسومرية والآشورية والأرامية والعبرية أيضا (أغلب الأسماء العربية المتداولة الآن هي عبرية).
لماذا هي مشكلة الفكر العربي السائد؟ ببساطة وبالاستناد إلى واقع اللغة ذاتها في واقعها المفارق: شعوب تتكلم لغة عربية حية سميت دارجة وترسيم لغة ميتة سميت فصحى، هذا الفكر صنع من اللغة ثباتا خرافيا لضرب التنوع السكاني في العالم الذي يسمى عربي، إنه ضرب من الفاشية والعنصرية، نوع خرافي من حفظ النوع بحسب تعبير نيتشه وهنا هي حفظ نوع الكهنة الإسلاميين. لم ينظروا إلى اللهجات العراقية، السورية، المصرية، الشمال إفريقية، اللبنانية وبشكل عام، لم ينظرو إلى مختلف تنوع هذه اللهجات على أنه إحياء وإغناء للعربية، بل نظروا إليها على انها وسخ وتلويث للنسل..
إغناء هذه اللغة بما يحيط بيئتها من تدفق متنوع يفترض أساسا هدم جدار التقعيد الذي هو صمام الثبات لحفظ نسلها وهي تاليا مشكلة لسنية معقدة تفترض جهدا جبارا، تفترض بدئيا اعتبارها لغة انسانية وليست لغة الله، اعتبارها لغة متطورة وحاضنة لها خاصية القابلية التي للغات التي تسمى عند هذا الفكر لهجات أو « دارجة »، ضرب قاعدة المثنى التي لم تعد تستعمل في كل اللهجات بدون استثناء، إنها ثورة في اللغة تخيف الفكر السائد وتحط من عليائه.
مشكلة اللغة العربية علاقة باللغات الغربية وبالعلوم ليست مشكلة تحويل هذه العلوم إليها بل هي مشكلة رفض تحويل هذه العلوم إليها في الوقت الذي اللغات الحية التي تسمى « دارجة » تحول هذه العلوم بسهولة فائقة لانها فقط تزيح الرقابة السيادية التي لها علاقة سيكولوجية بالطبقة المثقفة السائدة، فهذه الطبقة عرفت تلك العلوم بلغة اخرى وهو في حد ذاته ميزة يجب أن تستثمر في تميز شخصياتها هذه، ولكي تكون عالما ينتمي إلى هذه الشخصيات عليك أن تكون قد مررت بما مروا به هم: أن تدرس العلوم البرانية كما درسوها هم (عقدة حفظ النوع تعتمد على إعاقة تبدوا عقلانية فيما هي مرتبطة بالعجز المالي الذي يحول دون توصل فقراء أذكياء إلى العلم الذي هم وصلوا إليه)، والإدعاء بأن العقل الغربي له ميزة خاصة تجعله عقلا علميا هي خرافة أخرى تمنع أن نرى كيف تحرر العقل الغربي مما أسره في العصور الوسطى، فاللغة في كل الأحوال ليست هي المشكلة بل هي في التعاطي مع إشكاية العقل بين أسره في الغيبيات وبين تحرره منها، ولنكن واضحين من البداية، هذه الغيبيات تخدم طرفا في علاقته بالغرب من حيث هو يشكل تابعا له من حيث هو بها يجعل الطرف الآخرالنقيض في حالة عجز عقلي دائم هو عجز مالي كما وضحنا ، التعليم طبقي وضرب مجانيته هو بهدف إبقاء المميز مميزا من حيث هو من سادة القوم، وإبقاء الآخر مميزا باستعباده حتى لو كان أذكى من السيد.
إن لغة ترفض أن تتوسخ بلغات محيطة بها هي في كل الأحوال لغة عنصرية فاشية، وعليه فمشكلية التعليم في بلداننا هي أيضا مشكلة هيمنة الفكر الفاشي العنصري على ثقافتنا.
يجب أن نثير بعض الملاحظات:
ــ اللغات الحية ليست بالضرورة لغات متداولة عالميا، بل اللغة الحية هي اللغة التي بها شعب معين يعيش، هي اللغة التي يتداولها في الصرف اليومي شعب معين وليست لغات الأكاديميين من كهنة المعبد الجديد.
ــ الصراع الطبقي هو أيضا، في جانب منه، هو صراع بين لغة حية ولغة ميتة تسود بقوة المال والحديد والنار.
ــ ردا على عشاق الأنجليزية، الإنجليزية حية في بلدانها فقط، في التعامل الدولي، عند الاكاديميين الحقيقيين، يستعملون الترجة، ليس ضروريا أن أتقن الانجليزية لأتكلم عن موضوع دولي ، ولننهي هذه الحماقة التي يفتخر بها بعض انتهازيي المؤتمرات الدولية ممن يورثون حفظ نوعهم.

عذري مازغ – الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.