أزمة اليسار المصرى .. أزمة منهج أم خلل بنيوى؟

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 23 janvier 2020 - 11:01
أزمة اليسار المصرى .. أزمة منهج أم خلل بنيوى؟

لم يعد للحديث عن الحزب اللينينى أثر حقيقى فى الواقع، فالحزب الجماهيرى الضخم الذى يموّل بملاليم الفقراء أصبح جزءا من التراث الماركسى، فمعظم الماركسيين اليوم يغردون منفردين، ربما أن المأمول حاليا هو تيار يسارى قوى يتوازن مع تاريخه، ودوره الموازن فى الواقع والحاجة التاريخية الى وجوده لكى يتعادل الوضع، فلكى تنتظم الجماهير في عمل مشترك يجب أن يتوفر لهم مجموعة من الشروط أهمها هدف أو أهداف يتوافقون على تحقيقها، موارد مالية للإنفاق على التنظيم، موارد معنوية وفكرية، تنظم العقل وتشحذ الوجدان، مجال للحركة يسمح لهم بالنشاط والعمل واجتذاب عضوية جديدة.

أسباب أزمة اليسار:

أولا- انحسار المجال السياسى ( الأسماك تموت خارج المياه):

اليسار كأى عمل سياسى يطمح لتغيير الواقع، لذا فانه يحتاج الى بيئة سياسية صحية تسمح له بالعمل العلنى وطرح أفكاره بحرية على جمهوره، بعيدا عن عمليات المطاردات الأمنية والسجون والمعتقلات وربما الإغتيال، ولكن اليسار المصرى الذى يعمل فى الواقع منذ حوالى القرن، لم يعش حالات العمل العلنى المفتوح الاّ لفترات قصيرة جدا ومتقطعة « لا يمكن حسبانها فى تاريخه الطويل »، ما سبب ما يمكن توصيفه بحالة « إدمان » للعمل السرى تحت الأرض وتكتيكاته المرهقة، وهو الأمر الذي وضع اليسار في مأزق. فهذه المجموعات تعمل في السياسة كما يعمل الباعة الجائلين في القطاع غير المنظم. تتركهم الحكومة يعرضون بضاعتهم على الأرصفة، وكن قوات الإزالة تنشط ضدهم  » إذا شعرت بنوع من الخطر قد يصيبها » فتطاردهم فى الأزقة والحوارى الداخلية، مما يدفعهم الى الهرب والإختفاء لبعض الوقت حتى تهدأ الأمور، هى إذن لعبة أشبه بلعبة القط والفأر.
والسرية تؤدي إلى ظهور أمراض مستعصية كثيرة، ليس أقلها سيطرة الثقافة الأمنية أو « الفوبيا » الأمنية على الأعضاء وهدر كثير من الوقت والجهد فى عمليات « التأمين ». فالنظام الحاكم لا يتعامل مع المجموعات شبه السرية إلا من خلال أجهزة الأمن (هو يفعل ذلك عموماً حتى مع المنظمات العلنية)، وبالتالي يصبح الهاجس الأمني هو الهم الأول للمجموعة « السرية »، الأمر الذي يكرس من حس سياسي يقوم على الشك والريبة، بل وسهولة الإتهام بالمباحثية والخيانة التى تطال الجميع، كما أن السرية تحول دون الشفافية وديمقراطية المعلومات داخل التنظيم وقد يحاول التنظيم استغلالها فى اعطاء نفسه حجما أضخم، كما أن هذا الوضع قد يحلوا للبعض كأن يعطيه حرية أوسع فى تغيير مواقفه، مثل السمك الذى ينقلب تحت الماء دون أن يراه أحد، الأصل في السرية المؤقتة التي يضطر إليها حزب ما هو إخفاء نشاطات معينة عن الأمن، يجدها ذات أهمية استثنائية وليست السرية هدفا فى حد ذاتها.
وإذا كانت السرية هي آفة التنظيمات اليسارية، كيف لنا أن نفسر تحقيق الإسلام السياسى (في الثمانينات والتسعينات) نجاحات ضخمة في التجنيد والانتشار. الحقيقة أن هناك فارقاً ضخماً بين التيار الإسلامي واليسار. فالمساحة التي يتحرك فيها الإسلاميون لا تقتصر على المجال السياسي، فهذا التيار ينشط سياسياً في الجوامع والزوايا وفي المساحات الدينية، لأنه تيار يقوم على المزج بين الدين والسياسة. لذلك فضيق المجال السياسي لم يزعج الإخوان والجماعات الإسلامية كثيراً، بل قد يكون قد أراحهم من منافسين محتملين، أن أحد مشاكل اليسار المصري هي أنه تيار مسيس بشكل زائد عن اللزوم، في مجتمع تعرضت السياسة فيه للإخصاء منذ زمن طويل. وبهذا فإن تركيز اليسار على المجال السياسي فقط قد أصابه في النهاية بعقم الحياة السياسية المصرية.

ثانياً: مشكلة انهيار العضوية كماً وكيفاً

رغم أن اليسار لم يشكل يوما فى تاريخه الطويل، ما يمكن أن نطلق عليه حزب أو حتى تيار جماهيرى، يمكن أن يحصد أغلبية إنتخابية، الاّ أن تأثيره المجتمعى كان دائما يفوق حجمه بكثير، ولكن اليسار تيارا وتنظيمات كان فى بعض المراحل أقوى مما هو حادث الأن بكثير، نعلم جيدا أن مشكلة التنظيمات لا تتعلق بالكم فقط، أي بحجم عضويتها، وإنما في عجزها إلى حد كبير عن اجتذاب العناصر االمستهدفة. كم من القيادات العمالية النقابية تضمها التنظيمات اليسارية؟، كم من قيادات نقابات الطبقة الوسطى ومن الكتاب والفنانين تضمها هذه التنظيمات والأحزاب. قليل جداً؟ هذا بعد أن كانت التنظيمات الشيوعية في الماضي، خاصة في الأربعينات والسبعينات تضم نخبة معتبرة من قيادات العمال والكتاب والمحامين، الخ.
اليسار كان حاضراً في المجال الثقافي والطلابي والعمالي خاصة فى أربعينات القرن الماضى وفى سبعيناته، لذلك كانت التنظيمات تستطيع العمل على أرضية مواتية من أجل كسب أعضاء جدد. ولكن التيار اليساري نفسه ضعف. لأسباب باتت معروفة مثل: الموقف من التقسيم عام 1948، الفورة النفطية في المنطقة العربية وما أدى إليه من توفر التمويل الضخم لأنظمة معادية لليسار وتعمل على تقويضة من خلال دعم فصائل الإسلام السياسى ودورها فى انتشار الفكر والممارسات المحافظة، الموقف من الوحدة العربية والقومية العربية، الموقف المتذبذب من الدولة الناصرية التي صاغها النظام لكي تكون أداته في السيطرة على العمال بإعطائهم بعض الحقوق الاقتصادية في مقابل تخليهم بشكل تام عن كل الحقوق السياسية، واخفاقها العسكرى ما تسبب فى هزيمة 1967، هذا بالإضافة بالطبع إلى سقوط تجربة البناء « الاشتراكي » في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والعالم الثالث، (ولعلها أهم وأكبر الأسباب التى أدت الى انهيار اليسار والتجارب الإشتراكية) الخ.

ثالثاً مشكلة التمويل

كأي نشاط إنساني، يتطلب النشاط السياسي أموالاً للإنفاق على حملات الدعاية، المطبوعات، تكلفة انتقالات، تكلفة إعاشة سكرتارية دائمة للتنظيمات، مقارات، حملات انتخابية الخ. على كل حزب يسارى أن يتدبر كيفية الإنفاق على نشاطه. يمثل التمويل مشكلة مزمنة لليسار. فالتمويل الخارجي مرفوض من الناحية الأخلاقية، فضلاً عن خطورته السياسية المتمثلة في فقدان المصداقية والإستقلالية أو الوقوع تحت طائلة الأمن الذي يميل في بعض الأحيان إلى التنكيل بالسياسيين المعارضين من هذا المدخل. كانت هناك في الماضي بعض الإشاعات عن تمويل يتلقاه الشيوعيين من الاتحاد السوفييتي، ولكن هذا لم يتم التحقق منه بشكل أمنى، وفي الأربعينات والخمسينات كان اليسار يضم العديد من أبناء الأثرياء الذين كانوا ينفقون بسخاء على تلك التنظيمات. لكن الوضع تغير منذ السبعينات وذلك حين أصبح الطلاب والطبقة الوسطى هم عماد تنظيمات اليسار، فهذه الفئات مواردها المالية محدودة. هذا بالإضافة إلى أن شروط الحياة القاسية تجعل من وقت الفراغ المخصص للعمل التنظيمي محدوداً. اليسار بالتأكيد يواجه مشكلة توفير موارد مادية، وأعتقد أن الإتحاد السوفييتى والدول الإشتراكية فى السابق كانوا يقدمون الى جانب الدعم السياسى دعم عينى أيضا قوامه منح دراسية ورحلات علاج بالإضافة أيضا لدعم نقدى أيضا، كما تلقت بعض تنظيمات اليسار فى السبعينات والثمانينات دعما ماليا من بعض الفصائل الفلسطينية.
إن قضية تمويل التنظيمات اليسارية أخطر من أن تترك خارج الجدل العلني لليسار. لأن مصداقية أي تنظيم سياسي تعتمد في جزء كبير منها على توفير موارد مادية بشكل شفاف، معلوم للكافة، طبقاً لمعايير تم التوافق عليها بين أبناء التيار. وبما أن المرحلة التي نمر بها هي مرحلة الخروج من السرية إلى العلنية، فقضية التمويل على رأس الموضوعات التي يجب أن تطرح للمناقشة والدراسة. وهو ما لم يحدث حتى الآن، فالقضية لا زالت تُناقش من مدخل « أخلاقي » مزيف في كثير من الأحيان، مدخل يفتح الباب لممارسات غير أخلاقية مثل التشهير بالآخرين، والتعالي عليهم لأنهم يعملون في المجتمع المدني، لا خلاف أن الجنيه الذي يدفعه العامل لتمويل الحزب اليساري يساوي أضعافه من أموال تأتي من شخص ميسور. لأن هذا الجنيه هو رمز لعلاقة تعاقدية تنشأ بين حزب اليسار وبين العامل، يصبح بمقتضاه العامل داعماً للحزب بما يملك، ومالكا لجزء من هذا الحزب، مقابل أن يدافع الحزب عن مصالحه ومصالح أقرانه.
مال اليسار غير المنظم إلى المشاركة بقوة في لجان ومجموعات، أهمها بالطبع « اللجنة الشعبية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني » بعد واثناء الحرب على غزة، علاوة على مشاركة اليسار في حركات أخرى مثل كفاية، والجمعية الوطنية من أجل التغير، جبهة الإنقاذ، وغيرها،ا ولأصل في هذه المجموعات واللجان هو إنشاء كيانات تقوم على العمل الجماعي بين فرقاء سياسيين، وتكون مفتوحة للجمهور الواسع. بهذا المعنى هي كيانات لها ضرورة في لحظات معينة، لأنها مرنة وفضفاضة، بما يسمح لها بسرعة الحركة، وبما يشجع كثير من الناس المختلفين على العمل سوياً لهدف مشترك. ولكن هذه الأشكال شبه التنظيمية لا تشكل بأي حال من الأحوال بديلاً عن التنظيم الحزبي، وهو شكل مؤسسي أكثر رقياً وهو الأساس الذى يهدف إلى الوصول للسلطة وليس فقط رفع بعض المطالب الفئوية أو القيام بتحركات احتجاجية. إن انتشار هذه اللجان والمجموعات داخل اليسار، في الوقت الذي يقل فيه عدد وتأثير التنظيم الثورى يعطي مؤشراً على أن هناك مشكلة تنظيمية لم يستطع هذا التيار أن يحلها ويلجأ إلى مُسكنات اللجان الشعبية.

رابعا: النضال النظرى:

لقد قطع اليسار عملياً مع النظرية اللينينية في التنظيم (دون ضجة غالباً)، والدليل على ذلك هو أن مفردات مثل « اديكتاتورية البروليتاريا » و »المركزية الديموقراطية » تكاد تختفي من قاموس معظم اليساريين. مَن من اليساريين اليوم مقتنع أن بضعة ألاف من المثقفين ومن العمال الطليعيين سيقودون ثورة مظفرة تطيح بالنظام وبالرأسمالية؟ الأغلبية تعلم أن ذلك إذا حصل ستكون نتيجتة كارثية.
ختاما فإن اليسار المصري يمربأسوأ لحظاته التاريخية، فالأشكال التنظيمية التي قامت على فكرة لينين عن الطليعة قد انتهت أو كادت، للأسف فان اليسار يودع اللينينية في التنظيم. لكن المشكلة أنه يودعها في صمت، والصمت هنا مشكلة، لأنه لا يتيح تقييم التنظيمات السابقة، ونقد أسسها الفكرية من أجل بناء أشكال تنظيمية أكثر ديمقراطية، وأكثر قدرة عن تحقيق الأهداف السياسية التي يحاول هذه التيار أن يحققها. وللحديث بقية..السلام عليكم.

رياض حسن محرم

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.