آراء مغاربية – تونس | حكومة كفاءات مناورة النهضة للتملص من مسؤولية الحكم

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 27 décembre 2019 - 9:33
آراء مغاربية – تونس | حكومة كفاءات مناورة النهضة للتملص من مسؤولية الحكم

الحركة الإسلامية تسعى لتكوين حكومة كفاءات مستقلة تضمن لها هروبها من تحمل أتعاب الحكم في مرحلة محفوفة بالصعوبات الاقتصادية.

تدرك حركة النهضة الإسلامية بعد أن تخلى عنها كل من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب أنها في المنعرج الأخطر على الإطلاق، مما دفعها إلى المرور إلى المخطط ”ب” وهو إطلاق مبادرة حكومة الكفاءات المستقلة نظرا إلى انحسارها في زاوية ضيقة لا ترى من خلالها إلا نهايتها الوشيكة في ظل ارتفاع السخط الشعبي والتحديات الاقتصادية المعطلة بطول عمر المشاورات الحكومية.
يعكس رفض زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي لوساطة رئيس الجمهورية قيس سعيد لإعادة المشاورات الحكومية وحث الأحزاب على إعادة تقريب وجهات النظر إقرار القبطان الحقيقي لسفينة المشاورات الحكومية بتجاوز المخطط ”أ” والمرور إلى المخطط ”ب” وهو تكوين حكومة كفاءات مستقلة تضمن للنهضة هروبها من تحمل أتعاب الحكم في مرحلة محفوفة بالصعوبات الاقتصادية.
ودأبت النهضة، وهي المحترفة في فنون الهروب والمناورة، على اللعب على كل الأوتار لتجنب الوقوع في الواجهة بالحكم المباشر، وهو ما يجعلها تخير دائما الحكم من وراء الستار باستغلال أطماع الأحزاب الصغيرة والعلمانية التي تجمّل لها صورتها خارجيا أو سياسة التوافق فقط لإنقاذ نفسها من تحمل المسؤولية والمحاسبة في حال الفشل.
ومن المتوقع أن تكون حكومة الكفاءات المستقلة حكومة نهضاوية بمنطق اقتراح أسماء من الموالين للحركة دون الانخراط فيها علنيا، وتكون النهضة بذلك ضربت عصفورين بحجر، وذلك ببقائها في الحكم من وراء الستار وتنفيذ ”المستقلين” لسياساتها وحينما يحصل الفشل فهي لم تكن تحكم ولا تتحمل الفشل، وإذا كان كل ذلك يعني إقرارها الضمني بأنها دائما ستفشل فلماذا تخوض الانتخابات؟ ولم تصر على الحكم؟ وهي التي يمنعها إيمانها بفشلها من المجاهرة بأنها الحاكم الفعلي.

الحكم من خلف الستار أقل تكلفة

ودفع عدم الاتفاق حول برامج حكومية معينة وغياب الرؤية وتملص النهضة من وعودها حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الى رفض المشاركة في الحكومة وايقاف المفاوضات، ما يعزز المعارضة في البرلمان، ويعسر الحصول على الدعم المطلوب لتمرير الحكومة. وما من شك أن النهضة تتعلق حتى بقشة لإنقاذ نفسها من المحاسبة وهي تعي جيدا أن كل السيناريوهات الأخرى أكثر ضررا، وهي ستخفي تحالفها مع حزب قلب تونس الذي طالما عادته خلال حملتها الانتخابية واتهمته بالفساد عبر شماعة جديدة تحت مسمى حكومة مستقلة.
وسيشكًل هذا التحالف المرتقب الذي بدت بوادره منذ تصويت كتلة قلب تونس لصالح راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان التونسي، في انتظار إتمام الصفقة مع الحزب الذي تعاديه وترفضه قواعدها وإطاراتها الحزبية، وهو ما يفقدها ما بقي لها من مصداقية أمام ناخبيها.
والحكومة المستقلة لن تمر بالبرلمان ذي الغالبية المتحزبة إلا بتصويت ما لا يقل عن 109 أصوات، وكتلة النهضة تتكون من 54 مقعدا وكتلة قلب تونس من 38 مقعدا مما سيجعلها تطلب دعما من أحزاب أخرى كحركة تحيا تونس التي يرأسها يوسف الشاهد رئيس حكومة تصريف الأعمال بحوالي 14 مقعدا وكتلة الإصلاح الوطني بنحو 15 مقعدا.
ويوحي كل ذلك بأن النهضة تريد الترويج إعلاميا لحكومة مستقلة، وهي حكومة حتى لو أفرزت وجوها غير متحزبة، ستكون مدينة لطيف سياسي منحها الثقة لتنال الثقة بالبرلمان مما ينفي عنها أي استقلالية، وتكون بمقتضى ذلك فقط مجرد مناورة نهضاوية أخرى يقع تسويقها لتجنب القول إن ”النهضة هي الحزب الحاكم” وصرف الانتباه عن التحالف المكشوف مع قلب تونس.
وما من شك أن هذا التحالف سيكون سيناريو مملا ونسخة مكررة عن منظومة التوافق التي حكمت تحت لوائها النهضة مع غريمها السياسي والأيديولوجي حزب نداء تونس عام 2014.

حركة النهضة تتخبط بين حكومة كفاءات أو إعادة توافق مغشوش أو الارتداد نحو جدل الأخونة أو تقاسم الفشل بالوكالة

ومن البديهي أن يعي كل متابع للشأن العام التونسي أن النهضة لن يبقى لها إلا طلب ود حزب قلب تونس بالنظر إلى إعلان التيار وحركة الشعب عن اختيار موقع المعارضة، وهي ستتجه إليه بعد مكابرتها، ما يعني لا محالة سلاح انتقام الأخير لنفسه ورد اعتباره بطلب ما يريد من ضمانات وحقائب وزارية خصوصا في ظل مداهمة الزمن الذي سيكون إحدى أوراقه الرابحة.
وستكون النهضة بعد أن لمت شتات الغاضبين من ناخبيها عن توافقها السابق مع نداء تونس في مواجهة لسيل جديد من اللوم والرفض من داخل مجلس الشورى إلى دائرة السياسة الأوسع ثانيا.
وسبق وأكدت الصراعات السياسية داخل حركة النهضة الاستياء الكبير لشق واسع من خيارات رئيس الحزب راشد الغنوشي.
وتجلى ذلك من خلال تصريحات نارية لأبرز معارضي سياسات الغنوشي ممن تم استبعادهم من مراكز القرار بالحزب عنوة. ولعل هذه الضربة التي تلقتها الحركة ستضعفها داخليا لأنها قد توسع الهوة أكثر بين مؤيدي الغنوشي ومعارضيه ما من شأنه تأجيج جبهة الخلافات الداخلية، ما قد يكلف الحركة استقرارها الذي طالما سوقت له ومنحها الأفضلية بفعل تشتت بقية مكونات المشهد السياسي.
وتوحي مفردة التوافق داخل المخيال الشعبي بالتحالف المغشوش الاضطراري الفاقد للمشروعية السياسية حيث سيدفع إلى نفس النتائج كسابقه نحو الفشل والخراب الاقتصادي، فضلا عن ذوبان حزب قلب تونس بالتحالف مع الإسلاميين.
ومن شأن ذلك مراكمة مشاعر فقدان الثقة لدى الشعب بالسياسيين وزيادة منسوب احتقانه نحو الطبقة الحاكمة، لاسيما النهضة الحزب الحاكم الأول منذ ثورة 2011 بعد تفكك حركة نداء تونس الفائزة في انتخابات 2014 واحتضان النهضة لرئيس حكومتها يوسف الشاهد.
ويبدو أنه لن يكون في حسابات قلب تونس الخوف من التلاشي بفعل التحالف لأن هذا الحزب هو وليد لظرفية معينة ووقتية ولعلها صدفة سياسية صنعت حزبا استطاع استغلال وضع استثنائي ليكون أحد أقطاب السياسة التونسية.
وتشير مختلف المعطيات إلى أن ترشح القروي من أساسه لم يكن سوى نتاج لحالة العبثية السياسية السائدة ورغبة جامحة له في تحدي رئيس الحكومة يوسف الشاهد آنذاك.
كل هذه الإشكاليات تلاحق النهضة لكنها لن تكون أتعس من السيناريو الأسود وهو تحالفها مع ائتلاف الكرامة، الحزب الرافع لشعارات ضد فرنسا ولأكبر منظمة نقابية بالبلاد الاتحاد العام التونسي للشغل.

الشعب التونسي فقد الثقة بالسياسيين

ويمكن أن يشكل هذا التوجه الآخر إذا اضطرت إليه الحركة، لخبطة لكل حساباتها بفعل تحالفها مع ائتلاف انتخابي معاد لأكبر قوة نقابية تتحكم في دفة الاحتجاجات الشعبية والمفاوض الأول لخيارت الحكومة. ولعل ذلك سيجعل النهضة التي تعلم جيدا ماذا يعني فتح صراعات مع المنظمة العمالية، تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن هذا الحليف الذي لن تجد أرضية انسجام في النهاية إلا معه بحكم التشابه الأيديولوجي.
ولكن ذلك سيجعلها في منعرج التناقض حيث سيفتح الجدل من جديد حول هويتها السياسية الإخوانية التي عملت لسنوات على طمسها بعزل رموزها الدعوية. وتخشى النهضة أن يجعلها تحالفها مع ائتلاف الكرامة في مواجهة مع الرأي العام الدولي الرافض للأحزاب ذات الخطابات الإقصائية ويلصق بها تهمة الأخونة التي ما انفكت تتبرأ منها حتى تعود إليها من جديد.
أما القراءة بخصوص تحالفها مع حركة تحيا تونس، حزب رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، فإنها إعادة تقاسم طبيعي لنفس الفشل المتراكم منذ ثلاث سنوات وشماعة جديدة لنفس الخراب تحت مسمى وكيل حزبي آخر.
ويعكس رفض حركة الشعب ذات الخلفية القومية، والتيار الديمقراطي الحزب الوسطي الاجتماعي، التحالف مع الحركة الإسلامية عمق توجس الأحزاب المختلفة سياسيا وأيديولوجيا من فقدان كياناتها واندثارها.
ولعل رئيس الحكومة المكلف بتشكيل الحكومة الحبيب الجملي قد أضاع الزمن منذ البداية بتشاوره مع حركة الشعب التي أبدت رفضها المبدئي بدعوتها إلى حكومة الرئيس دون وجود مستند دستوري، إضافة إلى استشعارها للخوف من أن تركن في زاوية النسيان كما الأحزاب اليسارية الأخرى التي فقدت وزنها.
أما التيار الديمقراطي، فهو يخشى تفويت فرصة تاريخية كي يكون زعيم المعارضة على أساس معارضة البرامج والخيارات السياسية، حيث يقدم على أساسها نفسه كبديل في محطات انتخابية قادمة.
ويمكن أن يكون رفض حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب الدخول في تحالف بقيادة النهضة قد خلصهما الآن من تحمل وزر سياسات لم يشاركا فيها، لكنه يمكن أن يكون أيضا الهدية المسمومة لأنفسهما في حال الانتهاء إلى إعادة الانتخابات وهو السيناريو الكابوس لجميع الأحزاب في ظل تنامي نزعة الصوت العقابي في تونس.

سناء عدوني – صحافية تونسية

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.