آراء مغاربية – المغرب | إجتواء الوطن وخمسة أسباب وراء ذلك

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 25 janvier 2020 - 4:52
آراء مغاربية – المغرب | إجتواء الوطن وخمسة أسباب وراء ذلك

“الوطن كالأم” كما يقال، تقوم باحتضان أبنائها، تُحبّب لهم الوطن وتزيد من منسوب الوطنية لديهم بالعمل الجاد الذي من شأنه أن يرفع من قيمة المواطن في الجانب التعليمي والاقتصادي و الصحي والأمني والحقوقي، تعانقهم إذا ما رجعوا من المهجر، ترفع من قيمتهم أمام العالم، وقيمة المواطن بوزن جواز سفرها ودرجة مرتبتها أمام الأمم، لكن الأم قد تقسو على أبنائها ببعض الضرائب والرسوم والاقتطاعات، والعقوبات أحيانا التي قد تبدو ربما للمواطن أنها مظلمة في حقه وسلوك سلبي يحط من كرامته، هذا إذا نظر فقط من زاويته الشخصية الضيقة المنحصرة في مصالحه.

هناك حقوق وواجبات يلتزم بهم الطرفان، دولة راعية تشتغل بكل صدق في تدبير شؤون الوطن وترشيد موارده، ومواطن صالح ومصلح يحترم القانون ويلتزم به. هذه الفلسفة من هذا المنظور قد تغيب أحيانا في بعض البلدان نتيجة الحرب أو الاستعمار أو الكوارث الطبيعية ما يُحتم على الدولة أن تتجه نحو التقشف والاقتراض لمحاربة الفقر والحاجة. ومن الطبيعي أن يرافق هذا البؤس كل أنواع الفساد بما فيها فساد العقول وفساد الذمم. في هذا البلد لا توجد هناك أسباب حقيقية لاتخاذ هذا المنحى الذي ذكرناه والذي يأخذ منه المغرب حصة كبيرة جعلته يكتوي بنار الفقر والحاجة والتقشف والضرائب بسبب ودون سبب منذ استقلال المغرب في القرن الماضي. هذا مع أنه ينعم بكل أسباب التقدم، من ثروة سمكية مهمة وفوسفاط يتربع على عرش العالمية، وأراضي زراعية شاسعة، وموقع استراتيجي محسود عليه، وثروات أخرى في باطن الأرض يعيش على ظاهرها أناس يركبون الحمير ويقتاتون على بيع الحجارة، ما جعل أغلب الشباب دون تعميم لا يفكرون إلا بالفرار لملاذ آخر وركن آخر من العالم قصد النجاة، ولا تحدثني بعد ذلك أيها الفقيه بالحديث المكذوب ” حب الأوطان من الإيمان”. وقد أجملت خمسة أسباب حقيقية جعلت الشاب المغربي يكره البلد ويحلم بجواز سفر غير جوازه وبأم تحتضنه وتمسح دموعه إذا بكى أو اشتكى.

التعليم الموبوء

التعليم في المغرب لم يبق إلا أن يجمع أغراضه ويرحل إلى أن تتم المناداة عليه من لدن الأجيال المقبلة. فالبرغم من بساطة استصلاح هذا القطاع إلا أنه استعصى على من تَقلَّد زعامته من أناس لا يفقهون في التعليم إلا رسمه، في الوقت الذي استطاعت جل دول العالم التي تنعم بقليل من الاستقرار أن تنهض بتعليمها في ظرف وجيز وبميزانية متواضعة. كثرة الإصلاحات والخطط الفاشلة المرتجلة وما يرافقهما من ميزانيات خيالية ساهمت كثيرا في تأخر التعليم وإضعافه خاصة التعليم العمومي. تكاد لا تجد جامعة أو معهد واحد ذُكِر في ترتيب الجامعات في العالم وفي أحسن الأحوال تتذيّل هذا التصنيف. بعض طلبة المغرب الذين يحلمون بتعليم جيد لا يجدونه في بلدهم، فيفضلون الرحيل حتى يحققوا هذا المبتغى، ويبتعدوا عن الكلام الاستهلاكي الذي تتقنه الوزارة الوصية أو اللجان المتعاقبة من كل سنة.

العدالة العمياء الانتقائية

العدالة في المغرب عرفت تدهورا خطيرا خاصة عند صعود حزب العدالة والتنمية الذي نادى بالإصلاح من الداخل ولم يصلح شيئا من ذلك، اللهم إصلاح مطابخهم وأحوالهم المادية. العدالة والأحكام القضائية الظالمة والانتقائية تطرح كثير من الأسئلة حول جدوى القضاء ناهيك عن الحديث حول استقلاليته التي ينادي بها الفضلاء في هذا البلد. إدانة كل من ينادي بحقه في العيش والسكن والكرامة بتهم باطلة في الأساس رغم ترافع المحامون بتقديم جميع الأدلة المادية والمعنوية، لكن للأسف بعد نهاية كل محاكمة يتم إدانة المتهمين بأشد العقوبات الحبسية، والأمثلة كثيرة يعرفها كل المغاربة، حسبي أن أقول أن هذه السلوكات المشينة التي تصدر من القضاء تجعل كل شاب مغربي الذي يبحث عن كرامته أن يبحث عن ذلك في بلد آخر . كيف تريد من هذا المُدان بدون أسباب حقيقية أن يحب وطنه وقد سجنه الوطن ظلما وعدوانا؟.

الوعود الرسمية الكاذبة

هذه المشكلة أصبحت حديث كل الفئات من الناس وفي كل ركن من أركان هذا البلد. كل الأحزاب دون استثناء تقدم برامجها البرّاقة المزهوة بكل جميل من المشاريع قُبيل كل انتخابات، لكن مع نهاية كل انتخابات يتم ضرب كل البرامج على عرض الحائط بدعوى أن التغيير يحتاج مساهمة المواطن في ذلك. والمساهمة هنا يُقصد بها ” عاوْنوا الفريق” ، بحيث يكون حَريُّ بكل حامل لجنسية مغربية أن يدفع من جيبه قصد تقدم البلد، وملأ الصناديق، ولا يزال المغاربة يدفعون من جيوبهم حتى يعيش البرلمانيون و الوزراء بتقاعد سمين. ويا ليتهم لم يعدوا أحد!. هذه الوعود الكاذبة أصبحت من سمات وصفات كل صاحب حقيبة وزارية أو كرسي برلماني، مع التشديد أن هناك بعض خلايا نحل وسط كثير من الذباب. ما يَحُزّ في النفس هي تلك الأموال المرصودة التي تذهب سُدى في كل خمس سنوات دون أي نتائج ملموسة. وقد حدث وأن حظرت في تجمع لحزب صغير كيف أنهم أمضوا ساعات طوال ينددون بضعف الميزانية التي أعطيت لهم من طرف الدولة، أما برنامجهم الانتخابي هو الخطاب الملكي بعد إعادة صياغته فقط. والحقيقة أنهم كانوا صادقين في برنامجهم لأنهم على الأقل لم يكذبوا على المواطن كباقي الأحزاب التي تشارك في الحكومة ببرامجها ثم تضربها على عرض الحائط منتظرة الخطب الملكية، ونحن نعرف أن الخطب الملكية ليست برامج وإنما توجيهات وتوصيات عامة يجب أن تترجمها الحكومة إلى تفاصيل وأرقام. هذه المهازل المتتالية من طرف الأحزاب جعلت المغاربة متذمرون وينتظرون كل فرصة للرحيل من البلد دون رجعة.

الطبقية والفوارق الاجتماعية المقيتة

تتوالى الحكومات في المغرب ولم تستطع واحدة تقليص هذه الفوارق التي تزكم الأنوف، بحيث أن الشعب يصطدم بواقع آخر معكوس وهو تسابق هذه الكائنات البرلمانية والحكومية في الاغتناء السريع من هذه الفرصة التي قد لا تأتي مرة أخرى والالتحاق بالطبقة الغنية، فيكون من المُحال الدفاع عن توزيع الثروات بالعدل . دُلّوني على وزير واحد أو برلماني لم يغتني وقت تقلده المسؤولية. .. لا أحد . لذلك فَسَنة بعد سَنة تزداد الهوة بين الطبقة السفلى والطبقة العليا ولا شيء يجمعهما البتّة، اللهم الموقع الجغرافي. الطبقة الغنية هي التي غالبا ما يتم أخذها في الاعتبار في كل تغيير يُراد به. لهذا السبب تجد الشاب قد وصل إلى حدّ كراهية أخيه المواطن الغني ولو كان اغتناؤه من كدِّ يده إلا أنه دائما يُعتبر من المستفيدين من الريع ومن الزبونية التي تنخر الدولة. وما يُعَري أكثر هذا المرض العضال في بلدنا هو العمل الدولي الذي نراه صباح مساء، كيف انهم متشددون أكثر فأكثر ضد كل اغتناء من ميزانية الدولة وقد يصل المتهم الى حبل المشنقة. أما عندنا فالقانون يخيطونه بأنفسهم ويلبسونه حتى يصب عليهم شَلال أموال الضرائب والأرباح إلى أرصدتهم البنكية من دون أي محاسبة أو تساؤل، يغتنون بعناوين و مسميات عدة. أما الشعب فعليه الصبر لأن التغيير والإصلاح يحتاج إلى وقت طويل…هذا ما يقولون دائما. والحق أنه لماذا لا نصبر جميعا!!! ونسكن جميعا في السكن الاقتصادي!!!ونركب جميعا في الباصات والطاكسيات!!! ونقف جميعا في طابور المقاطعات والإدارات!!!! ونتسوق جميعا من نفس الأسواق!!! وندرس جميعا في نفس المدارس حتى نحقق هذا التغيير المنشود. أليس هذا ما فعلته كل الدول التي كانت صادقة في طلب التغيير؟

التقدم الذي تعرفه الدول

الناظر من حوله إلى الدول التي وصلت إلى تقدم اقتصادي وتكنولوجي رهيب يجد المغرب يدور في مكانه كحمار الرحى منذ فجر ما يسمى بالاستقلال. بلدنا ما يزال يعانق الفقر والتهميش والتردي على جميع المستويات ولا تحدثني عن الأرقام التي يحلو للناطقين بإسم الحكومة ان يعلنوها للمغاربة لطمأنتهم بتطور المغرب. المغرب يتطور نحو الخلف ودليله: جنسيتُه، تعليمُه، صحتُه، أمنُه، حقوقُ إنسانه، قضاؤه، ثم في الأخير مستوى وعي من يتقلد مسؤولية حكومته. لا يمكن لعاقل أن ينعت جل المغاربة بالنظرة السوداوية أو التشاؤم، فالواقع أبلج ووضوحه في كبد السماء. قد لا تجد مغربي واحد لا يحب دول أوربا أو آسيا أو أمريكا الذين يتقدمون سنة بعد سنة. كوريا الجنوبية كانت قبل عشرين سنة تعيش على المساعدات الدولية، لكن بفضل الإرادة السياسية القوية عمدت على تقوية اقتصادها بالتركيز على الصادرات والحصول على العملة الصعبة ومن ثَمّ تطوير التكنولوجيا حتى أصبحت الآن من الأقوياء، هذا مجرد نموذج من الدول التي عملت على خدمة مواطنيها. أما دول أوروبا فالجالية المغربية هناك أشبعتنا حديثا عن التقدم الذي وصلت إليه في كل المجالات صغيرها وكبيرها حتى أصبح حلم كل مغربي أن يعيش هناك، وقد تَردّد كثيرا على ألسنة المغاربة “أنه لو فتحت الحدود لم يبق مغربي واحد يتسكع داخل البلد”.
اجتواء الوطن هو ليس مرض يُعالج بالتحسيس والاناشيد والاغاني الوطنية والوعود المعسولة وإنما دواؤه رفع الظلم بكل تجلياته المادية والمعنوية عن الغالبية من المواطنين الذين يملؤون أركان هذا الوطن ويعيشون في كنفه. علاجُه الإرادة السياسية الحقيقية التي تنتج دولة حقيقية تتمثل في رفع اليد عن خيرات البلاد ليتقاسمها الجميع، وثانيها العمل بالليل والنهار لتطوير الاقتصاد وترشيده من طرف أيادي متوضئة مخلصة وصادقة. اما الصحة والتعليم والامن ياتي تَبعًا ولا يشكل بُعبعًا لمن أراد الإصلاح، لنطوي نهائيا فصول مسرحية قطار التنمية ونعود بالمواطن إلى حب الوطن والموت من أجل الوطن.

هشام الوردي – موقع لكم

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.