آراء مغاربية – #الجزائر | صراع القناعات في الشأن السياسي الجزائري

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 27 septembre 2019 - 10:21
آراء مغاربية – #الجزائر | صراع القناعات في الشأن السياسي الجزائري

بات من الواجب رصد الوضع الجزائري من الداخل كما هو، أو كما تتحرّك به القناعات الشخصية لكلا الفصيلين، السلطة والحراك، فما هو واقعٌ على الأرض، حقيقةً وممارسةً ومعايشة، يمكن لحصره أو معاينته أن يكشف شيئا من تداعيات سياسة الشدّ والجذب بين الطرفين، التي تتجلى في خطاب السلطة التنفيذية ممثلا في رأس الدولة المؤقت بن صالح، وخطاب المؤسّسة العسكرية، وخطابات الثلاثاء والجُمع حيث خروج الطلبة وعموم الشعب إلى الشارع للتعبير عن المعارضة السياسية للوضع القائم.

في خضم ما تعتلج به الساحة السياسية الوطنية من أحداث متلاحقة ومتسارعة، لا يمكن أن نتجاوز فكرة تأمّل اللحظة السياسية وقراءة الوضع من خلال الخارطة التي تتحرّك ضمنها عناصر المشهد السياسي الذي يمثله نظام قائم وحراك مستمر، ولعلّ من مستلزمات القراءة الموضوعية نقل الواقع في تفاعلاته ومحاولة استبصار مآلاته.
بعد الجمعة الواحدة والثلاثون وتحديد تاريخ الانتخابات الرّئاسية انطلق الجدل واسعا بين الموالين والمعارضين للمسعى الانتخابي في ظل حكومة نور الدين بدوي التي يعتبرها الحراك من بقايا نظام العصابة، وبالتالي لا شرعية لها من حيث المبدأ الثوري القاضي بالتّغيير الجذري، أمّا النظام، فقد عمل على ترتيب أوراقه لاستقبال طلبات الترشّح للمنصب الأعلى في السلطة التنفيذية، وبالتالي يكون كل من القطبين قد حسم موقفه وجهّز آلته الدّعائية للاشتغال السياسي القاضي بلعب كل الأوراق من أجل الانتصار في الصّراع حول التغيير، وتمكين الآلة الديمقراطية من مباشرة الحفر في الأرض البور التي صحّرتها السلوكات اللامسؤولة لنظام فاسد وجماعة تقوم مبادئها على المصلحة أوّلا.
وعليه يكون كل من النظام والحراك قد قدّم مبرّرات مسلكه السياسي، من حيث الرّؤية والخطاب والممارسة، فالإعلان عن الانتخابات جاء بعد أن هيّأت المؤسسة العسكرية الظروف للحركة وإعادة النّظر في مجتمع تحاول فيه العدالة أن تلعب دورها بعد أن أُودع السّجن بعض رموز النظام الأسبق وحتى المعارضة كالسعيد بوتفليقة والجنرال توفيق والجنرال طرطاق ولويزة حنون المتابعون بتهمة المساس بسلطة الجيش والمؤامرة ضد سلطة الدولة، والذين حوكموا بخمسة عشر سنة سجنا نافذة، واللواء خالد نزار وابنه وبن حمدين الموجودون في حالة فرار، حوكموا غيابيا وصدرت في حقهم أحكاما بعشرين سنة نافذة، والمتابعات القضائية مازالت متواصلة، ولكن مطلب الحراك كان محدّدا برحيل الحكومة وعلى رأسها الوزير الأوّل بدوي وبن صالح الذي انتهت مدّة رئاسته حسب الدستور.
لا يمكن أن نغفل أن المجتمع في واقعه منقسم بين مؤيّد لإجراء الانتخابات ومعارض لها، كل حسب قناعاته السياسية وتأثير قوّة الحراك عليه، وجس نبض الشارع يكشف على أنّ كتلة كبيرة من المواطنين تخشى دخول البلاد في نفق مسدود يؤدّي لا محالة إلى الصّدام بين القطبين مما يقود البلاد إلى الدخول في مغامرة قد تكون شبيهة بما آلت إليه الأمور في تسعينيات القرن الفائت، وتأخذ هذه الشّريحة الواسعة بالرّأي المؤكد في نية النّظام بالسير بالعملية الانتخابية إلى آفاقها القصوى الخالية من أيّة نقائص كالتزوير، وترى أيضا أنّ النّظام أبدى فعلا حسن نيته، حسب ما ذكر في بعض الأوساط، عن قرب رحيل بدوي وحكومته، وملاحظة بعض التحوّل في التعاطي مع متغيّرات الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كإعادة الحياة إلى مصنع الحجار، ورفع منحة ذوي الحقوق من المعاقين إلى 150 في المائة وتسهيل بعض التعاملات الإدارية وغيرها، وهذا في نظر هؤلاء كفيل بأن يمنح النّظام تأشيرة الدخول في شراكة مجتمعية تقود حتما إلى التّغيير، ولإتمام ذلك لابد من الذهاب إلى الانتخابات.
لكن وحسب بعض الأراء، فإنّ الانتخابات المقرّرة من طرف واحد قد لا تحسم الموقف الوطني بقدر ما قد تؤدّي إلى انفراط عقد التواصل بين الأفرقاء، وهو ما يدفع السلطة وجوبا إلى الاقتراب أكثر من نبض الحراك لأجل وضع كل القضايا على طاولة الحوار ومناقشتها بكل حرّية وموضوعية.
تبقى الرّؤية إلى المؤسّسة العسكرية، في عمومها، يسودها اتفاق كل الدوائر المجتمعية، فهي تمثل الحصن الذي يحمي أمن وسلامة الوطن والمواطن، وفي بداية الحراك كان الشعار الذي يجعل من الجيش مرافقا لمسار الحراك متواترا ومسموعا: “الجيش الشعب خاوة خاوة”، وكانت السردية الدارجة لدى المواطنين هي اعتبار المؤسّسة العسكرية مرافقا للحراك وضامنا لسلميته ومساره نحو اجتثاث العصابة، ولكن ارتفعت بعض الأصوات بعد ذلك وخصوصا بعد منع الأعلام المعبرة عن الاتجاه الأمازيغي، مندّدة بتدخل “العسكر” في الحياة المدنية، والمطالبة بالتزامه الحد المخوّل له من قبل الدستور، وهو ما جعل الانقسام واضحا في توجّهات الحراك، إذ اعتبر البعض أنّ الوطن يمرّ بأزمة، وقد مرّ بمثيلاتها في أحايين سابقة، كما هو الحال في الثمانينيات والتسعينيات، وقد يمكن لبعض المنادين بالانفصال أو بعض بقايا المتعاونين مع الجهات الأجنبية أن يتلاعبوا بأمن الوطن وإدخاله في صراع قد يؤدّي به إلى الانقسام والحرب الأهلية، وخصوصا وأنّ “فرنسا قدّمت دعمها إلى آخر رمق للنّظام السابق والرّئيس بوتفليقة” كما أكّد باسكال بونيفاس. وهناك من يرى بأنّ ما يقوم به قائد الأركان يدخل في صلاحياته في مثل هذه الحالات التي يكون فيها منصب رئيس الجمهورية شاغرا أو تشوبه أزمة الاختلاف حول تحديد مواعيد استحقاقاته، وهو ما يتطلب الحذر واليقظة الشّديدين خوفا من الانزلاقات الخطيرة الناتجة عن الخلاف حول السلطة، وهو ما يدفع المؤسّسة العسكرية إلى تحمّل كل مسؤولياتها في سبيل الحفاظ على توازن الاتجاهات والحيلولة دون الوقوع في محظور الأزمة الأمنية.
بالمقابل هناك من توجّهات الحراك من لا يقبل بهذا، ويؤكد على إنّ المؤسّسة العسكرية ينحصر دورها في الثكنة والحفاظ على سلامة التراب الوطني، أمّا الشأن المدني فهو من اختصاصات السلطات الثلاث المحدّدة دستورا، وعليه فلابد من تعيين لجنة مستقلة تشرف على الانتخابات بعد انسحاب بدوي، ومن ثمّة الذهاب إلى الاقتراع لاختيار رئيس الجمهورية، ولكن يُواجَه هذا الرّأي بغياب تحديد الآليات التي تمكّن من اختيار أو تعيين اللجنة المستقلة، وخصوصا وإنّ الحراك ليس له قيادة ولم يبادر بتعيين من يمثله.
يعتبر النّظر إلى الحراك على إنّه كتلة واحدة كما كانت بدايته، ربّما فيه شيء من الوهم، لأنّ الحراكيين أنفسهم ليسوا ذوي اتجاهات واحدة وهو ما يجعل العنصر المطلبي قويا في مساره، وبالتالي لا يمكن التغاضي مثلا عن المطلب اللغوي الذي لا يمكن حسمه في الوضع الحالي، أيضا هناك بعض المطالب القطاعاتية التي تؤكد تأثير الحالة المجتمعية في مسار الحراك الشّعبي، أيضا الأحزاب لم تحسم أمرها في القول بالكلمة الفصل في: إما الالتزام بالمسار الشّعبي أو السّير في اتجاه النظام، والملاحظ أنّ بعض الشخصيات المحسوبة على الوضع السياسي السابق، معارضة وموالاة، بدأت في تحضير نفسها للمرحلة القادمة كمرشّحين لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما يخلق انقسام حاد في المجتمع، على أساس انتقاد أو تزكية المسعى من قبل الأغلبية الشعبية أو “حزب الكنبة” بتعبير المصريين، ولقد بدأ السّجال في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يهيّئ المواطنين إلى اتخاذ مواقف ضد أو مع الانتخاب دون وصاية، ولكن يبقى التأثر والتأثير بادٍ وغير خافٍ على كل متتبع للوضع السياسي الجزائري.

عبد الحفيظ بن جلولي – كاتب جزائري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.