آراء مغاربية – #الجزائر | المجلس التأسيسي أم الرئاسيات؟أي خيار لحل الأزمة الجزائرية؟

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 30 août 2019 - 10:44
آراء مغاربية – #الجزائر | المجلس التأسيسي أم الرئاسيات؟أي خيار لحل الأزمة الجزائرية؟

مما لا يدور حوله شك أو ينتابه جدل هو أن الأزمة السياسية التي يعيشها بلدنا الجزائر هي أزمة استثنائية على أكثر من صعيد. فهي على صعيد أول استثنائية بطبيعتها إذ أنها أزمة نظام سياسي في طريقه إلى الزوال، ويقتضي زواله البحث عن بديل له، وصنعه في شكل دولة الحق والقانون التي يدخل البلد من بابه الواسع عهد العصرنة السياسية والمؤسساتية والدستورية. وعلى صعيد ثان، فهذه الأزمة استثنائية بالنظر إلى بعدها المنظوماتي؛ إذ أنها لم تنحصر في انهيار سلطة سياسية أو نظام حكم بعينه، بل شمل هذا الانهيار مؤسسات الجمهورية السياسية، وأبان عيوب واختلالات النظام الدستوري للدولة، وشل مفاصلها الإدارية، وأدى إلى تهاوي أجزاء معتبرة من الاقتصاد الوطني التي افترسها السطو والنهب والافتراس.

فما كان لنظام سياسي شمولي إلا أن يسقط وتسقط معه روافد شموليته. وعلى صعيد ثالث، فإن هذه الأزمة استثنائية من حيث ظرف حدوثها، وهو ظرف في أعلى مستويات الدقة والحساسية بالنظر إلى جوانبه السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالبلد لا يواجه أزمة سياسية بمفردها، وإنما يتصدى لأزمات متعددة المصادر والأبعاد. وهي الأزمات المؤهلة للتلاقي والتداخل مع كل ما ينجر عن ذلك من توسع لرقعتها وتفاقم لمفعولها.
وعلى صعيد رابع وأخير، فإن هذه الأزمة استثنائية من زاوية التهديدات والأخطار التي تنطوي عليها. وإذا كان البلد يواجه اليوم أزمة سياسية محدودة نسبيا فالخوف كل الخوف أن تتسارع مجريات الأمور وتضعه في مواجهة أزمات أخرى تزيد الأزمة الأم، وهي الأزمة السياسية، تعقيدا واحتداما وتفاقما.
من البديهي أن معالجة أزمة سياسية استثنائية كهذه تتطلب جهدا استثنائيا بقدر حجمها وفي مستواها. لقد دخلت هذه الأزمة السياسية شهرها السادس، وفوّتت على البلد عدة فرص لفضها، وكأنه يقع في الإمكان تعويض الفرصة الضائعة بفرصة أخرى مماثلة. والواقع أن الفرصة الضائعة لا تعوض إلا بفرصة أخرى أغلى ثمنا وأعلى تكلفة. و تم التعامل مع الأزمة وكأنها ستبقى تراوح مكانها بذات حجمها وبعدها وطبيعتها. والحقيقة هي أن الأزمة كبرت حجما وتعددت بعدا، وهي سائرة في طريق تغير طبيعتها. وإن كان هناك رهان على الوقت لتذليل العقبات وتبديد الصعوبات، فإن مروره قد أثبت عكس ذلك؛ إذ أن العقبات قد تزايدت كما تنوعت الصعوبات على درب البحث عن تسوية نهائية لهذه الأزمة.
أخذ الخلاف والجدل حول المصطلحات والمفاهيم والإجراءات والتدابير وقتا أكبر من الذي سُخر لمضمون الأزمة الأساسي وموضوعها المحوري، ألا وهما خلاص الدولة الوطنية التي تستنجد بكل جزائرية وبكل جزائري لإنقاذها من الخراب والدمار اللذين تكبدتهما على يد نظام سياسي يظهر بعد كل يوم يمر في صورة من شن حربا حقيقية سياسية واقتصادية واجتماعية على شعب وأمة ودولة.
دخل الخلاف والجدل معترك المصطلحات والخيار المفتعل بين الحل الدستوري والحل السياسي. وتطورت الأحداث وتجاوزت هذا الجدل وفرضت المزاوجة بين الحل السياسي والحل الدستوري فرضا. وغاص الخلاف والجدل أيضا في بحر المفاهيم، وبرز في صورة دعوة لمرحلة انتقالية أو تنظيم مرحلة تحضيرية للرئاسيات. وتعددت من هذه الزاوية الآراء والأطروحات. وسمعنا طرح دعوة لمجلس تأسيسي أو لتنظيم مرحلة تأسيسية انتقالية، أو حتى الخوض في مرحلة انتقالية من دون سلطات انتقالية. ورجحت التطورات الكفة لصالح المزج بين الخيارين من خلال ما اصطلح بتسميته: عهدة رئاسية انتقالية.
اقتحم أخيرا الخلاف والجدل فضاء الإجراءات والتدابير، وأفضى إلى التشكيك والطعن في جدوى الحوار الوطني كمجرد فكرة وأداة و إطار للبحث عن تسوية سريعة ونهائية للأزمة الراهنة. وإذا استغنينا عن الحوار الوطني فما بديله؟، وما الأسلوب الأرقى عنه والأنسب منه؟. وما الأداة الأكثر نجاعة والأغنى مردودية منه؟. إن للحوار مبتغى ومقصدا وعلة وجود، وهي كلها عوامل تصب في إدخال الطمأنينة في القلوب والحصافة في العقول، وفي حشد الجهود لتغليب المصلحة الوطنية على كل المصالح الخاصة أيا كانت أحقيتها ومشروعيتها.
إذا كانت المصلحة الوطنية هي البوصلة والوجهة والمقصد، فإن ثمة جملة من الأسئلة الجوهرية التي لا مفر منها، ولا لف ولا دوران حولها؛ لأن الرد عليها يقتضي وضوح الطرح وثبات اليقين وصلابة الحجة والبرهان. وهذه الأسئلة تطرح نفسها بنفسها على النحو الآتي: أين هي الطريق التي تطوِّقُ الأزمة السياسية في حدودها الراهنة وتمنع تفاقمها واكتسابها لأبعاد إضافية سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية؟. وأين هي الطريق الأقصر مسافة والأخف تكلفة والأقل مخاطرة والمحصِّنة لاستقرار وديمومة الدولة الوطنية؟. وأين هي الطريق الضامنة فعلا لقطيعة جذرية مع النظام السياسي القديم، والمفضية إلى بناء نظام سياسي جديد قوامه العصرنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد؟. لقد تناول المشهد الوطني بالنقاش هذه الأسئلة، وأفرز خيارين لحل الأزمة: الأول متمثل في الدعوة إلى مجلس تأسيسي، ويدور الثاني حول إجراء انتخابات رئاسية نظيفة ومحاطة بالشفافية والنزاهة والنقاوة والحياد.
سبق أن كتبت غداة الاستحقاق الرئاسي لسنة 2014م، كتبت أن البلد لم ينتخب رئيسا للجمهورية بل كل ما في الأمر أنه أكره كرها للقبول بتمديد في عمر فراغ السلطة. وفي صائفة نفس السنة، لاحظت أن فراغ السلطة قد رمى بكل أثقاله على الدولة ومفاصلها المؤسساتية، وأن قوى غير دستورية تجرأت على اقتحام مركز صنع القرار الوطني والاستحواذ عليه كلية، وأن أزمة نظام قد أصابت البلد. وانطلاقا من هذه المعاينات الجلية والأكيدة، بادرت باقتراح ما دعوته بـ: “خطة شاملة لحل أزمة النظام السياسي” ضمنتها سبعة محاور. ويشير أول هذه المحاور إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة تخرج البلد من حالة فراغ السلطة، وتسد الطريق فورا أمام القوى غير الدستورية المتعالية والمتعاظمة، وتعبد الطريق لانتقال ديمقراطي هادئ ومنظم ومتدرج في كنف الوفاق والاتفاق. ومضيت أرافع لصالح هذا الخيار في صفوف المعارضة الوطنية ولا سيما هيئتها للتشاور والمتابعة التي نادت بدورها في خريف سنة 2015م إلى إجراء انتخابات رئاسية مسبقة كوسيلة لحماية البلد من مخاطر أزمة النظام التي ألمت به وإنقاذه من تابعاتها وتداعياتها.
إن هذا التذكير بماضي قريب شاهد على أن خيار الرئاسيات لم يكن بالنسبة إليّ طرحا سياسيا جديدا أو موقفا أملته عليّ متغيرات الظرف أو تموقعا تكتيكيا من أجل الفوز بربح سياسي هزيل. فوضع البلد يُحَرِّمُ على الجميع الحسابات الضيقة والأنانيات التي لا طائل منها، والتمسك بالصالح الخاص على حساب الصالح العام. وإن الساعة هي ساعة القناعات والمسؤوليات وتحمل الواجبات. و قناعاتي في هذا السياق موجزة في ثلاث نقاط:
1 ـ الحرص على حصانة ومناعة الدولة الوطنية التي يهددها انهيار النظام السياسي القديم بتقاسمه وتفككه واندثاره،
2ـ الإيمان بأن المصلحة الحيوية للدولة الوطنية تكمن في تغيير جدري لمنظومة الحكم بما يجعلها رديفا لدولة الحق والقانون،
3ـ التيقن من أن الدولة الوطنية تمر بمنعرج فاصل في تاريخها، وأن رئيس الجمهورية القادم سيتولى مسؤولية قيادتها للخروج من هذا المنعرج من خلال عهدة انتقالية قادرة على وضع أسس دولة الحق والقانون التي باتت تطلعا مشتركا وطموحا جامعا.
بالنظر إلى هذا التطلع المشترك وهذا الطموح الجامع، فإن المجلس التأسيسي أو الرئاسيات لا يمثلان سوى طريق ووسيلة. فلا واحدة من هاتين الطريقين ولا واحدة من هاتين الوسيلتين كافية وحدها لضمان تغيير النظام المنشود من عدمه. ولا يحكم على الرئاسيات أن يكون مآلها استنساخ النظام السياسي القديم، وليس في المجلس التأسيسي خاصية أو ميزة تؤكد يقينا قدرته على تغيير ذات النظام بطريقة أعجوبية. والعكس صحيح تماما، فالقطيعة الجذرية وتغيير النظام السياسي والانتقال الديمقراطي والدستور الجديد للجمهورية هي كلها إفرازات و نتائج بإمكانها أن تحصل في ظل رئاسيات أو مجلس تأسيسي على حد سواء. فمن هذا الجانب، يظهر الخياران على قدم المساواة، ولا يمكن اعتبار الواحد منهما أرقى عن الآخر وأكثر ضمانة منه. ومجمل القول في هذا الموضوع: أنه يستحيل الجزم بأن هناك خيار مكتوب له أن يمدد في عمر النظام السياسي القديم، وأن هناك خيار مغاير قادر من خلال وصفة سحرية لا يملكها إلا هو على التعجيل بتهاوي ذات النظام والإسراع باندثاره.
إن الفرق الصارخ بين خيار المجلس التأسيسي وخيار الرئاسيات لا يكمن في هذه الزاوية من المقاربة والتحليل، وإنما يكمن في زاوية أخرى يمكن حصرها في ثلاثة معطيات جوهرية يتوجب على كل الجزائريات وعلى كل الجزائريين التمعن فيها والإحساس بمدى خطورتها والفصل فيها عن قناعة و بدراية.
المعطى الأول: هو أن الرئاسيات تمثل الطريق الأقصر والأخف تكلفة والأقل مخاطرة لاستقرار وثبات الدولة الوطنية، كما قلت سابقا. وأما الدعوة إلى مجلس تأسيسي، فإنها على العكس تماما تمثل الطريق الأطول والأعسر والأعلى تكلفة والأكثر مخاطرة للخروج من الأزمة الراهنة.
المعطى الثاني: هو أن خيار الرئاسيات إن حسم فيه بتوفير الشروط والظروف المطلوبة لإنجاحه قادر على تمكين البلد من تجاوز الانسداد الحاصل. أما المجلس التأسيسي فإنه من السهل، والسهل جدا، التنبؤ بأنه سيضيف لا محالة إلى الانسداد القائم انسدادات أخرى عديدة سياسية ومؤسساتية ودستورية التي من شأنها أن تغلق الآفاق عوض أن تشرع أبوابها، وأن تحدث تراكما للموانع بدل أن تزيحها، وأن تطيل في عمر الأزمة مقابل أن تقصره.
المعطى الثالث: هو أن طريق رئاسيات غير مشكوك ومطعون فيها تمكّن من بلورة حل للأزمة في شهور محدودة، والتفرغ سريعا للتحديات العظمى التي تنتظر البلد على مدى قصير جدا. وأما مشوار المجلس التأسيسي، فإنه طويل جدا، ولا يمكن عده إلا بالسنوات الطوال في حين أن البلد متعطش إلى حل سياسي سريع قبل فوات الأوان وإفلات الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من قيود التحكم فيها والسيطرة عليها.
هذه هي الزاوية الصحيحة التي ينبغي أن ينظر من خلالها إلى المجلس التأسيسي أو الرئاسيات كمخرجين للأزمة. فإذا كانت الرئاسيات مجرد أداة ووسيلة شأنها في ذلك شأن المجلس التأسيسي فإنها أداة ووسيلة أكثر نجاعة و فاعلية و أبلغ مردودية من المجلس التأسيسي لتخليص البلد من غبن ومشقات الأزمة الراهنة وتجنيبه تهديدات وأخطار تفاقمها المحتمل. وفي هذا السياق يتوجب الوقوف عند خيار الرئاسيات مع أخذ ما يوجه له من انتقادات وما يلصق به من عيوب بالتحليل و التشريح.
يعاب على خيار الرئاسيات أنه سيؤدي قطعا إلى انتقاء مزور لرئيس الجمهورية القادم. وإذا صمد التزوير وأبطلت كل الجهود المبذولة للقضاء عليه نهائيا، فكيف لانتخاب المجلس التأسيسي أن يهزمه وأن يتخلص من قبضته وأن ينجو من شره؟.
ويعاب أيضا على خيار الرئاسيات أنه سيمكن النظام السياسي القائم من تقديم مرشحه المفضل ومن ضمان فوز محقق له. ولكن، إذا كان هذا النظام راغبا في تقديم مرشحه وقادرا على فرضه فرضا، فما الذي يمنعه أو يعيق سبيله في ملء المجلس التأسيسي برجالاته عن طريقة المحاصصة التي تعوّد عليها وأتقن فنها أيما اتقان؟.
ويعاب أخيرا على خيار الرئاسيات أن إجراءها في ظل الدستور الساري سيجعل من رئيس الجمهورية القادم طاغية جديدا، وأن صياغة دستور جديد هي عملية إجبارية قبل الذهاب إلى الاستحقاق الرئاسي لسد الطريق أمام أي انحراف أو أي انزلاق نحو التفرد بالحكم وشخصنته. لقد كرس دستور 1996م مبدأ عهدتين رئاسيتين غير قابلة للتجديد، ووزع المهمات التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ومنح البرلمان صلاحيات ولو غير كافية لمراقبة الحكومة وطلب الحسابات منها والتحقيق في كبريات شؤون الأمة، وخول المجلس الدستوري وجوبا مهمة التقصي في شغور السلطة. لكن ذلك الدستور لم يمنع ظهور الطمع في سلطة فردية مدى الحياة، ولم يدفع السطو على صلاحيات كل مؤسسات الجمهورية الأخرى، ولم يحرم القوى غير الدستورية من الوصول إلى مركز صنع القرار الوطني والاستيلاء عليه كلية. وخلاصة القول في هذا الموضوع هو أن الدستور نصا وروحا لا يكفي بمفرده لردع ميول من يرغب في التفرد بالحكم أو شخصنته وإيقافه عند حده. فالحصانة ضد ميول تسلطية مرضية كهذه لا يكفلها سوى شعب لا ينأى بنفسه عن متابعة ومراقبة تسيير الشأن العام و مؤسسات تقوم بكامل مهامها ولا تقبل بأن تجرد منها وجزائريات و جزائريين يتولون مسؤولية قيادة هذه المؤسسات ويتصرفون فيها حسب ما يمليه عليهم الولاء للجمهورية وحدها و ليس كزبائنيات لنظام سياسي أي كانت صورته.
لا يُراد من كل ما سبق الاستنتاج بأن خيار الرئاسيات هو خيار سهل، وأن مسلكه خال من المعضلات والعقبات. ولكن المعضلات والعقبات ومواطن الانسداد الدفينة على درب المجلس التأسيسي أكثر حساسية وصعوبة وتعقيدا. فلنتمعن فيها بدقة، ولنحاول معالجتها بما تقتضيه الواقعية والموضوعية.
ما يفهم من أصحاب مقترح المجلس التأسيسي هو أن هيئة رئاسية معينة ستشكل وتتولى دعوته إلى الانعقاد بهدف صياغة دستور جديد للجمهورية قبل إجراء الانتخابات الرئاسية. لقد قدم لنا تشكيل مجموعة الشخصيات الوطنية المشرفة على الحوار الوطني نبذة عن الصعوبات التي تعتري سبيل أي عملية تهدف إلى انتقاء شخصيات توكل لهم مهام سياسية. ولما يتعلق الأمر بهيئة مرشحة لتولي مهام رئاسة الدولة، فإن هذه الصعوبات مرشحة للتحول إلى مستحيلات. وحتى لو حدثت المعجزة، فإن الوصول إلى إجماع حول التركيبة البشرية للهيئة الرئاسية قد يطول ويتطلب من الوقت ما هو غير معقول وغير مقبول بالنظر إلى قدرة التحمل للدولة وهي تعاني من انعدام الاستقرار السياسي ومن أخطار الانهيار الاقتصادي وبوادر التصدع الاجتماعي. و يضاف إلى هذا الجانب جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الدعوة إلى مجلس تأسيسي ستصدر عن هيئة معينة وليست منتخبة، أي هيئة عديمة الشرعية ومجردة من الطابع التمثيلي الحقيقي. فأي نظام سياسي جديد هذا الذي تعطى له إشارة الانطلاق بوسائل غير شرعية وغير ديمقراطية؟. وإذا تم بأعجوبة تخطي هذه العقبة فهناك عقبة موالية في الانتظار، وهي متعلقة بتحضير انتخابات المجلس التأسيسي.
لما يتعلق الأمر بتحضير وتنظيم ومراقبة الانتخابات الرئاسية، فإن كل ما هو مطلوب يتمثل في إحداث سلطة انتخابية مستقلة وتعديل النظام الانتخابي. وهاتان العمليتان بسيطتان ظاهريا غير أنه صعب تحقيقهما في غضون سداسي كامل. أما تحضير وتنظيم ومراقبة انتخابات المجلس التأسيسي فهي عمليات من طراز آخر، إذ أنها تقتضي إعادة النظر كلية في قانون الأحزاب مع كل ما ينطوي عليه ذلك من اختلافات حادة وتباينات متشنجة في الآراء والمواقف. كما ستقتضي هذه العمليات تعديل القانون الانتخابي والخوض في معترك الفصل بين أنصار الاقتراع النسبي والمتحمسين للاقتراع الفردي والمتشبثين باقتراع القوائم المعمول به راهنا. و يمكن للأمور أن تذهب إلى أبعد من هذا، وقد تشمل حتى عملية تقسيم انتخابي جديد للإقليم.
ولما يتعلق الأمر بمواضيع في هذا المستوى من الدقة والحساسية والتعقيد، فإن مدة معالجتها والوصول إلى توافق بشأنها لا يمكن البتة حسابها بالأيام والأسابيع، وإنما ستقدر بالشهور والسنين.
في حال تجاوز هذه العقبة الثانية، فإن هناك عقبة ثالثة تقف حجر عثرة في وجه مشوار المجلس التأسيسي. وهذه العقبة من صنع الظرف السياسي الحالي الذي يجعل من المستبعد بروز أغلبية سياسية واضحة داخل المجلس التأسيسي الذي سيضفي انتخابه، لا ريب، إلى تفتت غير مسبوق للقوى السياسية الممثلة فيه، وهو ما ينبئ بانسداد آخر شامل وخطير. وعلى سبيل المثال لا الحصر، سينجر عن هذا الوضع صعوبات جمة بشأن اختيار الوزير الأول والاتفاق على تركيبة الحكومة والموافقة على برنامجها السياسي. و سيترتب عن هذا الوضع أيضا نشوب صراع مشاريع الدستور الجديد دون حكم أو وسيط شرعي يمد الجسور بينها. وسينبثق عن هذا الوضع كذلك ظهور في الخطوط الأمامية صراع بين مشاريع الدستور تستتبع كل الخلافات الإيديولوجية والسياسية والهوياتية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية إلى غير ذلك من الخلافات التي قد تقود البلد نحو المجهول. وسينكشف عن هذا الوضع أخيرا صراع آخر من نفس المستوى من الحساسية والخطورة، وهو صراع الشرعيات بين المجلس التأسيسي المنتخب والهيئة الرئاسية المعينة. وإذا سلمنا بكل واقعية وموضوعية بأن صياغة الدستور الجديد ستعمر لا محالة، وأنها ستدوم سنوات طوال، فإن استمرار صراع الشرعيات على طول هذه المدة قد تتولد عنه تهديدات وأخطار غير محسوبة العواقب بالنسبة لكيان الدولة الوطنية وديمومتها. فقد يستغرق إعداد الدستور الجديد مدة طويلة وقد ينجح المجلس الدستوري في مهمته لكن من يضمن أن الدولة الوطنية ستصمد طيلة هذه المدة من دون أن تتأثر بكل الأخطار المحدقة بها والتحديات المفروضة عليها. ويمكن جدا البدء بمجلس تأسيسي والانتهاء بدستور من غير كيان دولة لاحتضانه، لا قدر الله.
إن ظاهر خيار المجلس التأسيسي بريقه ديمقراطي لكن باطنه ملؤه سلسلة من الموانع والانسدادات ومواطن التشتت والانقسامات التي لا يصح ولا يحق المراهنة فيها بمصير وبقاء الدولة الوطنية.
لما يتعلق الأمر بالقطيعة الجذرية مع النظام السياسي القديم وتغييره كليا وبالانتقال الديمقراطي وبإعداد دستور جديد للجمهورية فإن هذه كلها أهداف متقاسمة إلى حد اعتبارها إرثا مشتركا لكل الجزائريات و كل الجزائريين. ومن هذا المنظور، فإن الخلاف حول المجلس التأسيسي والرئاسيات كمخرج للأزمة لا يمت بصلة للجوهر والموضوع، فهو خلاف متعلق بترتيب الأولويات واختيار الإطار الأنسب لتحقيقها. ومن هذه الزاوية فإن الانتخابات الرئاسية تمكن من ترتيب هذه الأولويات على الوجه الصحيح. ومن نفس الزاوية، فإن العهدة الرئاسية الانتقالية توفر الإطار الأنسب لتجسيد هذه الأولويات على أرض الواقع.
هذا هو المعنى الصحيح والصريح للتغيير الهادئ والتوافقي و التدريجي و المنظم. وهذا هو المصب السليم للجهد الهادف والواعد الذي يضمن بلوغ الأهداف المسطرة دون المغامرة بمصير شعب ودولة وأمة.

الأستاذ علي بن فليس ـ رئيس حكومة أسبق، رئيس حزب “طلائع الحريات”، حاليا ـ الجزائر

راي اليوم

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.